• ×

06:41 صباحًا , الإثنين 11 ربيع الأول 1440 / 19 نوفمبر 2018


 

.

تعبير الرؤى والأحلام بين المشروع والممنوع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 تعبير الرؤى والأحلام بين المشروع والممنوع




الرؤيا كما ذكر الإمام القرطبي - رحمه الله - وغيره: مصدر رأى في المنام، رؤيا على وزن فُعلى، كالسُّقيا والبشرى، وألِفه للتأنيث؛ ولذلك لم ينصرف، وقد اختلف العلماء في حقيقة الرؤيا، فقيل: هي إدراك في أجزاءٍ لم تحلَّها آفة؛ كالنوم المستغرق وغيره؛ ولهذا أكثر ما تكون الرؤيا في آخر الليل؛ لقلة غلبة النوم، فيخلق الله تعالى للرائي علمًا ناشئًا، ويخلق له الذي يراه على ما يراه ليصح الإدراك، قال ابن العربي: ولا يرى في المنام إلا ما يصح إدراكُه في اليقظة؛ ولذلك لا يرى في المنام شخصًا قائمًا قاعدًا بحال، وإنما يرى الجائزات المعتادات، وقيل: إن لله ملَكًا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورًا محسوسة، فتارة تكون تلك الصور أمثلةً موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون لمعانٍ معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين تكون مبشِّرة أو منذِرة[1].



وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات علَّقها الله تعالى في قلب العبد على يدَيْ ملَك أو شيطان، إما بأسمائها؛ أي: حقيقتها، وإما بكُناها؛ أي: بعبارتها، وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة الخواطر، فإنها قد تأتي على نسق في قصة، وقد تأتي مسترسلة غير محصلة[2]؛ اهـ.



بعد هذا التعريف المختصر نقول: إن تعبير أو تأويل الرؤى والأحلام من المسائل والأمور التي انتشرت على حدٍّ واسع في زماننا، حتى طُبع لأجلها الكتب، وسُخر لها بعض البرامج، بل والقنوات الفضائية، بالساعات الطوال! بل قد تفسر عن طريق الأبراج والنجوم، وهذا ضرب من السِّحر والرجم بالغيب بغير حق! حتى غدت تجارة رابحة لبعضهم، وإن كان من بينهم بعض الصادقين والطيبين، ومما يؤكد انتشار هذا الباب في الرؤى والأحلام: أنني كثيرًا ما سئلت في هذا الأمر، أكثر من السؤال عن فقه العبادات والمعاملات!



أما الشاهد الثاني، فهو الواقع المشاهَد في حياة كثير من الناس، خاصة النساء! وعلى شاشات الإعلام المقروء والمرئي كما هو معلوم!



وهناك على الجانب الآخر من يعتقد أن الرؤى والأحلام ما دامت واقعة فإنها تدخل في باب المكاشفات النفسية من الله تعالى! ثم يعتقدون أنها بذلك تكون مِن مصادر التشريع، ويجوز الأخذ بها، والعمل بما فيها! ولو أحلَّت حرامًا في الشريعة، أو حرمت حلالًا! وهذا يقع عند بعض المتصوفة! وهو مِن الجهل الشنيع والافتراء على الله ورسله وشرعه؛ لأن هؤلاء ليسوا من الأنبياء والرسل الذين يتنزل الوحي عليهم!



وقد أدى هذا الخلل إلى انصراف بعض الناس عن العلم والتفقه في الدين ومعرفة ما ينفع ويهم من أمر العقيدة والأسماء الحسنى وصفات الله تعالى، والصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، وتلاوة القرآن وتدبره ومعرفة تفسيره على الوجه الصحيح، ومعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والسنة النبوية وغيرها! والاعتماد على ما يقع لهم من الرؤى والمنامات والمكاشفات! ولربما ادعى بعضهم رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وأنه أمر بكذا ونهى عن فعل كذا! ومع أنه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حق لا ريب، كما هو ثابت في السنة النبوية، فإنها لا تقعُ إلا بالصفة الموصوف بها النبي صلى الله عليه وسلم لتكون صحيحة، كما أنها لا تقع لكل زاعم لها، فتأمَّل، وقد رأيتُ عدة أوراق - وبعضها لا يزال عندي من سنوات طويلة - مكتوب فيها بعض الرؤى والأحلام التي رآها فلان أو فلانة.. وقد جاءه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن الذين ماتوا هذا الأسبوع عددهم كذا! والذين دخلوا النار عددهم كذا! والمعذبين في القبور عددهم كذا! ولماذا يعذبون؟! بل وأنواع العذاب الذي هم فيه.. إلى آخر هذه التخبُّطات والتخرُّصات.. ثم يقول في آخرها: إنه يجب على من يقرأ هذه الورقة أن يصورها خمسين مرة أو سبعين مرة، وإلا تعرض للسوء والضرر، وعاقبه الله في نفسه وماله.. وبعضهم قد يصاب بالفعل بشيء ما من قدر الله أراده وقدره! فيوسوس له الشيطان أنه بسبب إلقاء وإهمال تلك الورقة! وهذا والله مِن أعجب العجب!



كذلك يدَّعي كثير من الصوفية وغيرهم أن الخضر حي، وأنه يَلقَى بعض الناس من مشايخهم، فيستفيدون منه فوائد شرعية، جلُّها - فيما يزعمون - من جنس ما يعزونه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم يقظة بعد موته أو منامًا، ومِن تلك الدعاوى: ما ذكَر عبدالخالق الغجدواني النقشبندي: "أن الخضر لقنه الوقوف العددي، وعلمه الذِّكر الخفي، وهو أنه أمره أن ينغمس في الماء ويذكر الله بقلبه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ففعل كما أمر، وداوم عليه، فحصل له من الفتح القويم والجذبة القيومية"، وذكر أبو العباس المرسي: بأنه اكتسب من الخضر معرفة أرواح المؤمنين بالغيب هل هي معذبة أو منعمة؟! ومنهم من يروي عن الخضر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمن ذلك ما روى الأيوبي المتوفى سنة 1364هـ بسنده عن الخضر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت الرجل لجوجًا معجبًا برأيه، فقد تمت خسارته".



وهذا كله مبنيٌّ على ثلاثة أشياء: أن الخضر حي، وأنه يتصل بالناس، وأن مَن اتصل بهم هو الخضر، أما أن الخضر حي فلم يدلَّ دليل صحيح على حياته عن النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا قال ابن حجر وابن كثير وغيرهم، كما أن ما يروى من الأخبار والآثار في لقائه لبعض الصحابة أو الأخيار، فهي آثار ضعيفة وواهية، ولا يسلَم واحدٌ منها من الطعن.



قال ابن المنادي: "وجميع الأخبار في ذِكر الخضر واهية الصدور والأعجاز، ثم قال: وأكثر المغفَّلين مغرور بأن الخضر باقٍ، والتخليد لا يكون لبشر؛ قال عز وجل: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ﴾ [الأنبياء: 34]، ثم إن الخضر اختلف في اسمه إلى ما يقرب من ثلاثة عشر قولًا، وفي اسم أبيه كذلك، واختلفوا هل هو ملك أم إنسان؟ وهل هو نبي أم ولي؟ وهل هو حي مخلد أم أنه مات؟ كما اختلف الصوفية فيه: هل هو شخص حقيقي أم مثال يتمثل لهم أم أنه مقام؟ بمعنى أن أحد الناس يرتقي في الولاية حتى يبلغ هذا المقام، فيصبح يظهر للناس على أنه الخضر.



كذلك فإن رؤيةَ الخضر ليست متحققة لكل أحد، وإنما يظهر للبعض ولا يظهر للبعض، فلو كان إنسانًا فما الذي حجبه عن الناس، وجعل رؤيته خاصة بمن ادعى ذلك أو ادُّعِيَ له ذلك؟! فهذا يدلُّ على أن ما يتراءى للناس في هذا إنما هو شيطان كذَب عليهم في هذا، وادعى ما ادعى تلاعبًا واحتيالًا، وهذا كله يدل على أن الخضر ليس حيًّا، وادعاء ذلك ليس مبنيًّا على شيء ثابت في الشرع، بل في الشرع ما يردُّه ويُبطله، ثم إن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يأمرَا بالرجوع إلى الخضر أو غيره، سوى كلامه جل وعلا، وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، وإجماع المسلمين، ولا نجد في شيء من الشرع الرجوع إلى كلام الخضر والاستفادة منه بشيء مما يخالف الشرع، حتى المسيح عليه السلام حين منَع الجزية إنما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه إنما حرمها بإباحة الشارع له ذلك.



كذلك أنه لو كان حيًّا فإنه سيكون فردًا من أفراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يسَعُه الخروج عن شريعة النبي عليه السلام؛ لعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للجن والإنس؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [سبأ: 28]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لو كان موسى حيًّا، ما وسِعه إلا اتباعي))، كما أن مَن ادعى حياته إنما الذي رُوِي عنهم أنه تراءَى لهم شخصٌ، فإما قال لهم: إنه الخضِر، أو وقع في خَلَدهم أنه الخضر[3].



فمتى كانت الأحلام والرؤى مصدرًا من مصادر التشريع؟! ولو جاء رجلٌ لأحد هؤلاء الصوفية وقال له: رأيتُ الرسول صلى الله عليه وسلم في الرؤيا يأمرك أن تعطيني بيتك بلا مقابل، فهل سيعطيه بيته بلا مقابل؟ بالطبع لن يفعل؛ لأنها مجرد رؤيا، فكيف يقبلون الدِّين من الرؤى وهو عند كل مسلم أعزُّ عليه من بيته وماله ووالده وولده والناس أجمعين؟![4].



إن الرُّؤى والمنامات ليست حجة شرعية يمكن أن يثبت بها أمر شرعي؛ فلم يرِدْ في الكتاب ولا في السنَّة اعتبارُها حجةً، وإنما هي تبشير وتنبيه؛ قال المعلمي في "التنكيل": "اتَّفَق أهلُ العلم على أن الرؤيا لا تصلُحُ للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقَتْ حجَّةً شرعية"، كما لا يمكن أن يأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بخلاف شرعه الذي شرَع، فمَن ادعى أنه رأى رؤيا فيها خلاف شرع النبي صلى الله عليه وسلم فإما أن يكون كاذبًا، أو مخطئًا في دعواه أن مَن رآه هو النبي صلى الله عليه وسلم.



كذلك فإن النائمَ ليس في حالة مَن يمكِنُه التثبُّتُ مِن القول الذي يقال له؛ فبالتالي لا يمكن أن يعتبر قوله في مقابل الشرع الثابت، ومساويًا له؛ قال النووي - رحمه الله -: "حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لِما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن مِن شرط مَن تُقبَل روايته وشَهادته أن يكون مستيقظًا، لا مغفَّلًا، ولا سيئ الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختلَّ الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة؛ فلم تُقبَلْ روايتُه؛ لاختلال ضبطه"[5]؛ اهـ.



وقال الإمام الشاطبي - رحمه الله -: وأضعف هؤلاء احتجاجًا: قومٌ استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبَلوا وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح في النوم، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا، ويتفق مثلُ هذا كثيرًا للمترسمين برسم التصوُّف، وربما قال بعضهم: رأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي كذا، وأمرني بكذا؛ فيعمل بها، ويترك بها، معرِضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يُحكَم بها شرعًا على حال، إلا أن نعرضَها على ما في أيدينا مِن الأحكام الشرعية، فإن سوَّغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركُها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البِشارة والنِّذارة خاصةً، وأما استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني - رحمه الله - قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: ادعُ الله ألا يميت قلبي، فقال: قل كل يوم أربعين مرة: "يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت"، فهذا كلام حسَنٌ لا إشكال في صحته، وكون الذِّكر يُحيي القلب صحيح شرعًا، وفائدة الرؤيا التنبيهُ على الخير، وهي من ناحية البشارة، وإنما يبقى الكلام في التحديد بالأربعين، وإذا لم يؤخَذْ على اللزوم استقام[6]؛ اهـ.



ونحن إذا تأملنا القرآنَ والسنَّة الصحيحة والتاريخ والأحداث، علِمْنا أن تأويل الرؤى والأحلام وتعبيرها أمرٌ لا غبار عليه من ناحية إثباته وحقيقته؛ فلقد جاء في القرآنِ الحديثُ والإخبارُ عن بعض منها، وقص اللهُ علينا ما كان مِن خبر رؤيا نبي الله إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات: 101 - 107].



وكذلك ما قصَّه علينا من قصة نبي الله يوسف بن يعقوب عليهما السلام، فقال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [يوسف: 4 - 6]، وقال تعالى مخبرًا عن يوسف أنه قال للفتيَيْنِ اللذين دخَلا معه السجن: ﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ [يوسف: 37]، وقال تعالى مخبِرًا عن يوسف أيضًا أنه قال: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ [يوسف: 101].



وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى عنه: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 27]، قال الإمام الطبريُّ: يقول - تعالى ذكره -: لقد صدَق اللهُ رسولَه محمَّدًا رؤياه التي أراها إياه أنه يدخُلُ هو وأصحابه بيتَ الله الحرامَ آمنين، لا يخافون أهل الشرك، مقصِّرًا بعضُهم رأسَه، ومحلِّقًا بعضهم، وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل؛ اهـ.



وكذلك جاء في الحديث أن الرؤيا كانت أولَ أمرِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن عائشة أم المؤمنين قالت: "أولُ ما بُدِئ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن الوحي الرؤيا الصالحةُ في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصُّبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه - وهو التعبُّد - اللياليَ ذواتِ العدد قبل أن ينزعَ إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حراء..."؛ الحديث.



وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم يَبْقَ مِن النبوة إلا المبشِّرات))، قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحة))؛ رواه البخاري.



وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اقتَرَب الزمان لم تكَدْ تكذِبُ رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزءٌ مِن ستة وأربعين جزءًا من النبوة)).



وفي الحديث أيضًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن رآني في المنام، فسيراني في اليقظة - أو: كأنما رآني في اليقظة - لا يتمثَّلُ الشيطانُ بي))؛ متفقٌ عليه.



وعن أبي سعيدٍ الخُدري رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا رأى أحدُكم رؤيَا يحبها، فإنما هي من الله تعالى، فليحمَدِ اللهَ عليها، وليُحدِّثْ بها - وفي رواية: فلا يُحدِّث بها إلا من يحبُّ - وإذا رأى غيرَ ذلك مما يكره، فإنما هي مِن الشيطان؛ فليستعِذْ مِن شرها، ولا يذكُرْها لأحدٍ؛ فإنها لا تضرُّه))؛ متفق عليه، وعن أبي قتادةَ رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا الصالحةُ - وفي رواية: الرؤيا الحسنةُ - مِن الله، والحُلْم مِن الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه، فلينفُثْ عن شِماله ثلاثًا، وليتعوَّذْ مِن الشيطان؛ فإنها لا تضرُّه))؛ متفق عليه.



وعن جابر رضي الله عنه، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرَهُها، فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعِذْ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحوَّلْ عن جنبه الذي كان عليه))؛ رواه مسلم، وفي الحديث: ((إن مِن أعظمِ الفِرى أن يدَّعِيَ الرجلُ إلى غير أبيه، أو يُرِيَ عينَه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُلْ))؛ رواه البخاري.



فهذه نصوصٌ مِن الكتاب والسنَّة تؤكد أن مِن الرؤيا ما هو حق، ومنها ما هو دون ذلك، فهذه مسألة لا خلاف فيها، وقال الحافظ ابن حجر: جميعُ المرائي تنحصر على قسمين: الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء ومَن تبِعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بنُدورٍ (أي نادرًا؛ كالرؤيا الصحيحةِ التي رآها الملِك الكافر وعَبَرَها له النبيُّ يوسف عليه السلام)، والرؤيا الصادقة هي التي تقع في اليقظة على وَفْقِ ما وقعت في النوم، والأضغاث: وهي لا تُنذِر بشيء، وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان؛ ليحزُنَ الرائيَ؛ كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع في هولٍ ولا يجد مَن ينجده، ونحو ذلك، والثاني: أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرَّمات مثلًا، ونحوه مِن المحال عقلًا، الثالث: أن يرى ما تتحدَّث به نفسه في اليقظة، أو يتمناه، فيراه كما هو في المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو ما يغلِب على مزاجه، ويقع عن المستقبل غالبًا، وعن الحال كثيرًا، وعن الماضي قليلًا[7]، وقال الإمام البغوي: واعلَمْ أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا؛ فقد يكون بدلالةٍ من جهة الكتاب، أو من جهة السنَّة، أو من الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضِّدِّ والقلب - أي: العكس"[8]؛ اهـ.



إن الإشكالَ الحقيقي يكمُنُ في التوسع والتعمُّق في هذا الباب، بعلم وبغير علم، على حسَاب الأهم والأولى والأنفعِ مِن أمور الدِّين والواقع والحياة، وهذا كثير؛ لأن تعبير الرؤيا، وإن كان ثابتًا وموجودًا، فلا يعني هذا الانصرافَ إليه، والاشتغال به، والسعي الحثيث اللازم لمعرفته، بكل تفاصيله ونظائره؛ لأنه كان يأتي عارضًا ونادرًا في حياة السلَف الصالح، ولم ينشغلوا به أكثرَ مما يجب، ثم لأن هذا الباب إنما هو نوع اجتهاد في أمر غيبيٍّ، لا يعلَم حقيقته إلا الله وحده سبحانه وتعالى، وإنما هي مثالٌ، وهذا التعبير هو في أساسه وأصله هِبَةٌ وتوفيق من الله تعالى، ثم يزداد بالمِران والنظر، إلا أن تلك الحدودَ والقوانين التي يرسمها بعض المعبرين للرؤى غير دقيقة، وغير محققة؛ لاختلافِ حال الرائين من الصلاح والفساد، والاستقامة والانحراف، وغيرها، بل وحال المعبرين أنفسهم كذلك!



ولهذا؛ فإن الواجبَ ألا يتكلم في تأويل الرؤى والأحلام وتعبيرها إلا عالمٌ متمكِّن مِن نصوص الكتاب والسنَّة واللغة ومعانيها، وأن يكون مِن الملازمين للتقوى والصلاح والورَع، ثم لا يكون هذا التعبير والتأويل شاغلًا للناس عن تعلُّم أمر دِينهم والتفقه فيما ينفعهم، أو يكون فتحًا وطريقًا لوساوس الشيطان والنفس والأهواء المنحرفة، مثل الذي نراه اليوم، مِن الجنون والتسارع على الأحلام وتعبيرها من المعبرين! وقد نصح بهذا عددٌ مِن أهل العلم والنظر والسنَّة، فهذا الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - يقول: "وقد أُلِّف في تعبير الأحلام عدةُ مؤلَّفات، منها ما ينسب إلى ابن سيرين، ومنها ما ينسب إلى غيره، ولا خيرَ في الاشتغال بها، وكثرة النظر فيها؛ لأن ذلك قد يشوِّش الفكر، وربما حصل منه القلق والتنغيص من رؤية المنامات المكروهة، وقد يدعو بعضُ مَن لا علم لهم إلى تعبير الأحلام على وَفْق ما يجدونه في تلك الكتب، ويكون تعبيرهم لها بخلاف تأويلها المطابق لها في الحقيقة، فيكونون بذلك مِن المتخرِّصين القائلين بغير علم، ولو كان كلُّ ما قيل في تلك الكتب من التعبير صحيحًا ومطابقًا لكل ما ذكروه من أنواع الرؤيا، لكان المعبرون للرؤيا كثيرين جدًّا في كل عصر ومِصرٍ، وقد عُلم بالاستقراء والتتبع لأخبار الماضين من هذه الأمة أن العاملين بتأويل الرؤيا قليلون جدًّا، بل إنهم في غاية الندرة في العلماء، فضلًا عن غير العلماء؛ وذلك لأن تعبيرَ الرؤيا علم من العلوم التي يختص الله بها مَن يشاء مِن عباده".



ويقول الشيخ العلامة عبدالمحسن العباد - حفظه الله -: "لا ينبغي للإنسان أن يشغَلَ نفسه بالرؤى، لكن إذا حصلت له رؤيا، وأمكنه تعبيرها: فإنه يعبرها، وإن لم يعبرها ووثِق في أحد، وسأله: عبرها له، وإن كان فيها شيء لا يعجبه، فيأخذ بالآداب التي أرشد إليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأما أن يشغَلَ نفسه بالرؤى وتعبيرها: فإنه قد يشتغل بذلك عن غيره مما هو أهم منه، والعلماء ما كانوا يحرصون على الاشتغال بالرؤى.. فهذا يحتاج إلى وقت، ليبحث، ويقرأ عن فلان، وعن فلان؛ ولهذا نجد الآن بعض المعبرين الذين تصدَّوْا للتعبير سوقُهم رائجة، والناس يشغَلونه أكثر مما يشغلون العلماء في مسائل الدين، وفي مسائل الفقه، والأمور التي يحتاجون إليها في أمور دينهم".



ويقول الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ - حفظه الله -: "أما المعبرون: فالواجب عليهم تقوى الله عز وجل، والحذرُ مِن الخوض في هذا الباب بغير علم؛ فإن تعبير الرؤى: فتوى؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43]، ومعلوم أن الفتوى بابها العلم، لا الظن والتخرُّص، ثم أيضًا: تأويل الرؤى ليس مِن العلم العام الذي يحسُنُ نشرُه بين المسلمين ليصحِّحوا اعتقاداتهم وأعمالهم، بل هي - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - مبشِّرات، وكما قال بعض السلف: الرؤيا تسُرُّ المؤمن، ولا تغُرُّه، هذا وإن التوسع في باب تأويل الرؤيا - حتى سمِعنا أنه يخصص لها في القنوات الفضائية، وكذلك على الهواتف، وفي الصحف، والمجلات، والمنتديات العامة من المنتجعات وغيرها، أماكن خاصة بها؛ جذبًا للناس، وأكلًا لأموالهم بالباطل - كل هذا شرٌّ عظيم، وتلاعبٌ بهذا العلم الذي هو جزء من النبوة، قيل لمالك - رحمه الله -: أيعبر الرؤيا كلُّ أحدٍ؟ فقال: أبالنبوَّة يُلعب؟!



وقال مالك: لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرًا أخبر به، وإن رأى مكروهًا، فليقل خيرًا، أو ليصمت، قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه لقولِ مَن قال: إنما على ما أُوِّلت عليه؟ فقال: لا، ثم قال: الرؤيا جزءٌ من النبوة؛ فلا يتلاعب بالنبوة، فيجب على المسلمين التعاونُ في منع هذا الأمر، كلٌّ حسَب استطاعته، ويجب على ولاةِ الأمور السعيُ في غلق هذا الباب؛ لأنه باب شر، وذريعة إلى التخرُّص، والاستعانة بالجن، وجر المسلمين في ديار الإسلام إلى الكهانة، والسؤال عن المغيَّبات، زيادة على ما فيها من مضارَّ لا تخفى؛ مِن إحداث النزاعات، والشقاق، والتفريق بين المرء وزوجه، والرجل وأقاربه وأصدقائه، كل هذا بدعوى أن ما يقوله المعبر هو تأويل الرؤيا.. وإني - إبراءً للذمة ونصحًا للأمة - لأحذِّر كل من يصل إليه هذا البيان، من التعامل مع هؤلاء، أو التعاطي معهم، والتمادي في ذلك، بل الواجب مقاطعتهم، والتحذيرُ من شرهم، عصَمنا الله وإياكم من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، ورزَقنا اتباعَ سنَّة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، واقتفاء آثار السلف الصالحين، وحشرنا وإياكم في زمرة النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا"[9]؛ اهـ.



وقال العلامة الألباني - رحمه الله - في "سلسلة الهدى والنور": "إذا كان هناك رجل عالم مثل ابن سيرين فسَّر الرؤيا التي قصها عليه قاصٌّ ما أو راءٍ ما، فهو لا يستطيع أن يقول: إنها ستكون كذلك، إذًا: فهذا ليس مِن باب الاطلاع على الغيب إطلاقًا، وإنما هو الظنُّ، والظنُّ قد يصيب وقد يخطئ، وهذا يقعُ مِن العلماء في مناسباتٍ كثيرة، وكثيرة جدًّا، حتى إن بعض مشايخ الطرق يستغلُّون هذه الوقائع ويوهمون الناس أنها كشوفات، وأنهم يطَّلِعون على ما في صدور الناس، والحقيقة أنها ليست شيئًا من ذلك، وإنما هي الفِراسة، وسأقص بعض ما وقَع لي أنا شخصيًّا مع كشف السر؛ لكيلا تُغَشُّوا بما قد تسمعون من بعض الناس.



إذا تبيَّن أن ابن سيرين وأمثاله هم ممن قد وُهبوا علم تأويل الرؤيا، فذلك ليس من باب الاطلاع على الغيب؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا اللهُ بنص القرآن الكريم، ثم كما قال في القرآن الكريم أيضًا: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27]؛ فالغيبُ هو الأمر الذي يقطع به الرسولُ صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قد أوحى به إليه، أما العالم ذو الفِراسة أو مفسِّر المنام، فهذا لم يطلع على الغيب؛ فقد يصيب وقد يخطئ؛ اهـ.



إذًا خلاصة القول أن تعبيرَ الرؤى والأحلام من حيث هو أمر مشروع لا غبارَ عليه، وقد جاءَتْ بذلك النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة، هذا في الجملة، إلا أن التوسُّعَ الزائد والتعمق في هذا الباب بعلمٍ وبغير علم على حساب الأهم والأولى والأنفع مِن أمور الدِّين والواقع والحياة، وتسخير الجهود الكبيرة والقنوات والمواقع وغيرها في معرفة وتأويل هذه المنامات والرؤى، حتى صار فريق من الناس لا تهدأ له نفس حتى يجد معبرًا يعبر له جميع الرؤى والأحلام الماضية والحاضرة! فضلًا عن بعض المتصوفة الذين جعلوا مِن الرؤى والأحلام كشفًا، وربما ارتقت معه لتكون من مصادر التشريع والاستدلال! وهذا واقع لا محالة! فلا شك أن الأمر بهذا الصورة يدخل في دائرة الممنوع شرعًا؛ سدًّا للذريعة والمفسدة.


الشيخ عاطف الفيومي
--------------------------------------------------------------------------------

[1] انظر: تفسير القرطبي (ج9/ 125) ط الكتب المصرية.

[2] انظر: فتح الباري (ج12/ 352) ط السلفية.

[3] انظر: أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، لسعود بن عبدالعزيز الخلف (ص: 33 - 38).

[4] انظر: كشف شبهات الصوفية، لشحاتة محمد صقر (ص: 75).

[5] انظر: أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة.

[6] انظر: الاعتصام (ج2 /94) ط ابن الجوزي.

[7] انظر: "فتح الباري" (12/ 352 - 354).

[8] انظر: "شرح السنة " (12/ 220).

[9] انظر مجلة البحوث الإسلامية" (67/ 16 - 18)، وفتاوى الشيخ العثيمين وابن باز، وموقع فتاوى الإسلام سؤال وجواب.
 0  0  262
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:41 صباحًا الإثنين 11 ربيع الأول 1440 / 19 نوفمبر 2018.