• ×

سورة يوسف: قراءة نفسية

للأستاذ مصطفى مولود عشوي (اختصار موقع تعبير)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 ملخص البحث:

تتجلى في سورة يوسف عدة مواضيع نفسية هامة، تشكل دروساً وعبراً لمن أراد التعلم والاعتبار؛ فالسورة حافلةٌ بمشاهد تتجلى فيها انفعالات الغيرة، والحزن، والغضب، والخوف، والسرور، وبمشاهد الابتلاء للنبي يوسف - عليه السلام - ابتلاء بغيره الإخوة، وابتلاء بالفتنة، وابتلاء بالسجن، وابتلاء بالملك والقوة، وفي السورة أيضاً مشهد لابتلاء النبي يعقوب - عليه السلام - بفقدان ابنه، وفقدان بصره، ومشهد لصبره الطويل، وعدم تسرب اليأس إلى قلبه رغم معاناته الشديدة. وتبين السورة أن طول الابتلاء - مهما طال - لا يعني اليأس من روح الله، والسورة حافلة أيضاً بمشاهد تتحقق فيها الرؤى؛ رؤيا صاحبَيْ يوسف في السجن، ورؤيا الملك، ورؤيا يوسف - عليه السلام.

وتوضح السورة انطباق سنن الطبيعة البشرية وقوانين تدافع قوى الشر والخير على الأنبياء والرسل، وإن كان الوحي يوجههم ويعصمهم من الزلل، كما توضح السورة مدى تحمل الأنبياء للأحزان والابتلاء والفتن، وتقدم السورة أيضاً نموذجاً للسموِّ الأخلاقي، والعفو عند المقدرة، من طرف قائد تولى أمانة الحكم في سنوات الرخاء وسنوات الشدة، وساس البلاد والعباد بالعدل والإحسان، فأخرج البلاد من الأزمة، وأغاث الناس الذين مسهم الضر في مختلف المناطق.

وتبيِّن السورة في الجانب النفسي دور الانفعالات في تحريك السلوك، كما تبين تفاعل وتكامل مختلف الجوانب التي تكوِّن الإنسان: الأبعاد الجسمية، والروحية، والعقلية، والوجدانية، والسلوكية، وكيفية تأثير كل جانب في الجوانب الأخرى، وتأثره بها.



مدخل:

سورة يوسف من السور التي تعتمد على القصة (القصص) لتعليم الناس دروساً في السلوك واستخلاص العبر من تجارب الآخرين، وسورة يوسف نموذج للآيات التي تتناول بالعرض المفصَّل حياة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ومحيطهم (النفسي - الاجتماعي)، وما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الحق من متاعب وأهوال وأحزان. وهذه السورة نموذج للصراع بين الحق والباطل، وبين العقل والهوى، وبين المصالح الشخصية المبنيَّة على الأنانيَّة، وخدمة المصلحة العامة للأسرة والمجتمع والإنسانية، وهذه السورة أيضاً مثال واقعي يبيِّن كيف أن المظلوم قد يعامل كظالم، والبريء قد يصبح متَّهماً، وأن شخصاً - مهما علا مقامه ومكانته - قد يُحكم عليه زوراً وبهتاناً، ويُودع السجنَ مع المجرمين!.

وتتجلى في هذه السورة الانفعالات البشرية، والحياة الوجدانية للبشر كما هم في الواقع، دون أقنعة، وعندما يحاول بعضهم - مثل إخوة يوسف وامرأة العزيز - اصطناع أقنعة الخير والعفاف؛ فإنها لا تلبث أن تتساقط كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف.

وليست هذه القراءة النفسية لسورة (يوسف) إلا محاولة متواضعة لفهم هذه السورة من خلال تناولٍ نفسيٍّ للأحداث وأنماط السلوك الواردة في هذه السورة، وخاصةً الجانب الوجداني للإنسان، الذي صُوِّر في هذه السورة أحسن تصوير. ولعل هذا التناول يساعدنا على فهم القرآن الكريم من منظورٍ مختلفٍ عن بقية التناولات الأخرى المعتمَدة في كتب التفسير المعروفة.

ومن جهة أخرى؛ فإن هدف هذه الدراسة هو محاولة لفهم الإنسان، وخاصة الجانب الوجداني منه، ودوافعه وكيفية تأثير هذا الجانب في بقية الجوانب، والأبعاد التي تكوِّن الإنسان، سواء كانت روحية وجسمية، أم عقلية ووجدانية وسلوكية - كما جاء ذلك في القرآن الكريم - وكيفية التأثر بها أيضاً. وسيكون ما جاء في القرآن الكريم هو المنطلق لفهم الإنسان، وليس ما هو وارد في السيكولوجية الحديثة فحسب، كما لجأ إلى ذلك بعض علماء النفس المسلمين المعاصرين.


لقد كانت سورة يوسف - ولا تزال - موضوعاً للتأملات والدراسات؛ بل وللأعمال الفنية، بغضِّ النظر عن عمق هذه الدراسات وأهدافها.


الرؤيا:

تبدأ سورة يوسف بإثارة الانتباه - بحروف ثلاثة لا نعرف لها معنًى محدداً - إلى آيات الكتاب المبين، التي نزلت بلغة عربية على قوم لا يفهمون ولا يعرفون غيرها من اللغات، مما يوضح العلاقة الوثيقة بين اللغة والعقل. والقصة تعتمد أساساً على اللغة؛ وهل يمكن تأليف قصة أو إخراجها سينمائيا أو تلفزيونيا، أو رسماً وتصويراً، أو بأيِّ شكل من أشكال التعبير والاتصال دون لغة، مهما كانت هذه اللغة بسيطة أم معقدة، مجرَّدة أم مجسَّمة؟ وكما تعتمد القصة على اللغة؛ فإن القصة من أساليب تعليم اللغة، وتعليم السلوك وتغييره.

وهذه القصة لم يقتبسها النبي - صلي الله عليه وسلم - من اليهود والنصارى، كما لم يسمعها من القصَّاصين والرواة؛ بل الوحي مصدرُها، فالوحي هو مصدر المعرفة إلى جانب مصادر أخرى؛ مثل اللغة، والعقل، والطبيعة، ولولا هذا الوحي لكان محمد صلي الله عليه وسلم - ولبقي غافلاً عمَّا حدث في القرون الغابرة لغيره من الأنبياء والرسل، والأقوام والمجتمعات.

وبعد هذا المدخل عن مصدر المعرفة، وعلاقة اللغة بالعقل، تبدأ القصة بجلوس يوسف - وهو غلام لم يبلغ الحُلُم - ذات صباح قرب أبيه؛ ليقصَّ عليه الرؤيا التي ظهرت لعقله الصغير - ولا شك - غريبة، لم يستطع فهم دلالتها الرمزية المعقدة، مما أثار دهشته وتعجُّبه إلى درجة لم يستطع كتمان ما رأى، كيف يستطيع الكتمان في هذه السن؟! فلجأ إلى أبيه الذي كان يشعر بأنه أقرب وأحبُّ الناس إليه، فأسرَّ له برؤياه. أليس عجيباً أن يرى طفلٌ دون البلوغ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له؟!! ما معنى أحد عشر كوكباً؟ ولماذا؟ وكيف تسجد له هذه الكواكب والشمس والقمر؟!


يجيب النبي يعقوب - عليه السلام - ابنه طالباً منه بكل حنان أن يكتم رؤياه، ولا يقصَّها على إخوته الذين - ولا شك - سيكيدون له كيداً إذا سمعوها؛ لما تحمله من دلالة، وهنا إشارة واضحة من طرف النبي يعقوب - عليه السلام - إلى أهمية الرؤيا من جهة، وعلاقتها بإخوة يوسف الذين كانوا كما يعلم - وهو أبوهم - يغارون منه بشدة، قد تصل إلى حدِّ الفتك بيوسف كما قد يزيِّن لهم الشيطان ذلك، وهنا إشارة إلى الغيرة التي تكون بين الناس؛ بل وحتى بين الإخوة، والي هذا الانفعال الذي يؤدي إلى القتل أو الإضرار بالآخر والآخرين، والتاريخ والواقع حافلٌ بقصص أدَّت فيها الغيرة إلى التخلص من الإخوة والأخوات، وغيرهم من الأقرباء، في سبيل الاستئثار بالمال أو الملْك أو القيادة، أو بمنصب أو بامرأة أو برجل.

والغيرة عادة ما تكون بين الإخوة ( نساء - نساء )، و(رجال - رجال )، و( رجال - نساء )، كما تكون بين ( ذكور - ذكور )، و( إناث - إناث ) و( ذكور - إناث )، زملاء العمل، وزملاء الحكم والسلطة، وغير ذلك من الأشكال التي يكون هدفها الاستئثار بشيء له قيمة دون الآخر أو الآخرين، وكما تكون الغيرة بين الأفراد؛ فقد تكون بين الجماعات والمجتمعات. والغيرة غالباً ما تكون بين الأقارب، ويكون الحسد بين غير الأقارب، والغيرة عادةً ما تكون بين طرفين أو أكثر.

والغيرة انفعال شديد تحركه انفعالات أخرى كالخوف والغضب، خوفٌ من ضياع شيء، أو خوفٌ من عدم الحصول عليه، مما يؤدي إلى غضب الشخص، وتحرُّك قوي العدوان في نفسه؛ دفاعاً عن ذاته وحمايةً لها، ولكن هذا الدفاع قد يشتطُّ؛ فيتحول إلى هجوم للقضاء على الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى، وغالباً ما يلجأ إلى الحيلة والمكيدة للتخلص من الخصم؛ فلنر كيف لجأ إخوة يوسف - عليه السلام - بدافع من غيرتهم إلى الحيلة والمكيدة؛ للتخلص منه.


لم يشأ النبي يعقوب - عليه السلام - أن يفسر الرؤيا لابنه يوسف بطريقة مباشرة، ولكنه أفهمه بأن لهذه الرؤيا علاقة بإخوته، كما أن لها علاقة بمستقبله - وكذلك كل الرؤى؛ فإنها رمزية وذات دلالة تنبُّئية ( مستقبلية) - وأفهمه أيضاً: أن الله العليم الحكيم قد أكرمه بالقدرة على تأويل الأحاديث؛ أي: تعبير الرُّؤَى، كما أكرمه بمكانة عالية كما أكرم آل يعقوب من قبل؛ إبراهيم وإسحاق.

لقد كان إخوة يوسف - عليه السلام - ولا شك يشعرون أن أباهم يحبُّ يوسف أكثر مما يحبُّهم، أو هكذا خُيِّل إليهم، وكيف لا يحبُّ يعقوبُ يوسفَ وهو ابنه الأصغر، وهو المحروم من حنان الأم؟! ومن الطبيعي أن يحبَّ الأب ابنه الأصغر أكثر من الآخرين؛ لأنه أحوج من الآخرين إلى الرعاية والحماية، ولكنَّ الأبناء الأكبر سناً يعتقدون أن ذلك يُخِلُّ بالعدل بين الأبناء؛ مما قد يؤدي إلى حصول الإبن الأصغر على الاستئثار ليس بحبِّ الوالدين أو بحبَّ أحدهما فقط؛ بل الاستئثار أيضاً بما قد يجود عليه الأبوان من أموال وممتلكات، وغير ذلك من أساليب التفضيل. وهذا له ما يبرره في الواقع؛ إذ إلى جانب حاجة الطفل الأصغر إلى رعاية وحماية أكثر كما ينبغي الحال، فإن هذا الطفل غالباً ما يجد الصعاب قد مُهِّدت له بفضل كدح الأبوين لمدة طويلة، وبفضل كدِّ الإخوة والأخوات الأكبر سنّاً، الذين غالباً ما يقع عليهم عبء مساعدة الآباء والأمهات. وتبيِّن بعض الدراسات النفسية أن لترتيب الأبناء تأثيراً في سلوكهم وشخصيتهم بصفة عامة.


كان إخوة يوسف - عليه السلام - يشعرون أنهم أجدر بحبِّ أبيهم من يوسف، كيف لا يشعرون بذلك وهم جماعة (عصبة)، وقوة الجماعة أكبر من قوة الفرد! الجماعة أهم من الفرد، ودورها أعظم، كيف لا وهم جماعة (عشرة إخوة)، من أب وأم واحدة، بينما يوسف من أم أخرى!.

لقد أدت بهم الغيرة الشديدة إلى أن يحكموا على أبيهم بالضلال المبين، وإلى أن يحكموا على يوسف بالقتل؛ فالحكم هنا بالقتل واقع مع سبق الإصرار، ولكن سبق الإصرار هذا صاحبته نيَّة بالتوبة بعد اقتراف الجريمة، مما يدل على تصارع الخير والشر في نفوسهم بشدة، إلى درجة دفعت أحدهم إلى أن ينصح بعدم قتل يوسف، والاكتفاء بإلقائه في جُبٍّ (بئر)، لا يستطيع الخروج منه إلا بمساعدة المسافرين الذين سيمرون على الجبِّ للاستسقاء، وبالتالي لإنقاذ يوسف!.

وكأن نوازع الشر قد خفَّت قليلاً في نفوسهم؛ فاتفقوا على عدم قتل يوسف، والإجماع على إلقائه في الجُبِّ، مما يعطي له فرصة النجاة من الموت. ونلاحظ هنا كيف أن فرداً في جماعة قد يغيِّر اتجاه الجماعة كلها، ويؤثر في أحكامها وقراراتها وسلوكها بقوة الحجة، وبتجنيد الجانب الوجداني الإيجابي.






النبي السجين:

رغم أن اختيار السجن قد يضع يوسف - عليه السلام - في موقف يكون فيه من الصاغرين - في أعين الناس على الأقل - إلا أن ذلك يحميه من الفتنة وأسبابها، كما أنه يرفع مقامه عند الله - تعالى - وقد استجاب الله لدعائه، وأنقذه من تسلُّط الهوى وسلطة المال والجاه؛ فصرف عنه كيد النساء؛ إذ حُكم عليه بالسجن حكماً احتياطيّاً.

لم يكن يوسف في السجن وحيداً كما كان في الجُبِّ؛ بل دخل معه السجن فتيان، ولا شك أنه قد نشأت بين الفتيان الثلاثة ألفة؛ جعلت كل واحد منهم يروي قصة سجنه، ويجد العزاء من خلال الاستماع إلى قصتَيْ زميليه الآخرين.

وتمضي الأيام ثقيلة في السجن، في انتظار الحكم النهائي، وفي صباح أحد الأيام، يقبل الفتيان على يوسف ليرويا ما رأيا في المنام، ويسألانه تأويل ما بدا لهما غريباً، وذلك لما توسَّما فيه من ذكاء وحسن خُلُق. ويبدو أن تأويل الأحلام شيءٌ كان يستأثر باهتمام الناس آنذاك استئثاراً كبيراً؛ إذ بعد رؤيا يوسف التي قصَّها لأبيه، تأتي في هذه السورة رؤيا الفتيان، ثم ستصادفنا في نفس السورة رؤيا ملك مصر، وهذا مما يدل على أهمية الرُّؤَى في فهم السلوك والتنبُّؤ به، ولكن عملية تعبير الرُّؤَى تحتاج إلى فهمٍ دقيقٍ، وذكاءٍ عالٍ؛ لما تحمله من رموز تبدو لغير الأذكياء طلاسم، يصعب فهمها وإدراك مراميها، ناهيك عن التنبُّؤ بما سيقع بناءً على تحليلها وتفسيرها.

ويتَّضح من سورة يوسف أن الرُّؤَى مصدرٌ للتنبؤ بالسلوك الذي قد يقع في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد، وذلك من خلال دراسة الرؤى الثلاث الواردة في هذه السورة، وهي: رؤيا يوسف، ورؤيا الفتيان، ورؤيا الملك. ومما لا شك فيه أن الرؤيا - كما يُفهم من هذه السورة - لا تختصُّ بالأنبياء والمؤمنين فقط، كما لا يُشترط أن يفهم صاحبها أبعادها ومراميها قبل وقوعها، مما يستدعي الاستعانة بذوي الاختصاص في هذا المجال، مما يدل أيضاً على أن تعبير الرؤيا قد يصبح علماً مستقلاًّ عن بقية العلوم، له موضوعه ومنهجه، وإن كان يرتبط بمواضيع أخرى، مثل علم النفس، وعلم الأعصاب، والفسيولوجيا، وعلم الاجتماع الثقافي، الخ.


فماذا رأي الفتيان في المنام، وهما في السجن ينتظران مصيريهما؟ ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:36]. لم يتسرع يوسف في إعطاء الجواب، وإنْ طمأنهما من البداية بأنه على دراية بعلم التأويل، الذي علمه الله إيَّاه، وأنه سيعبِّر لهما رؤيَيْهما، فراح أولاً يبيِّن لهما كيف لم يركن إلى أسلوب حياة الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، واتَّبع ملة آبائه الأنبياء: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وقرر يوسف - عليه السلام - أن الإيمان بالله، وعدم الشرك به من فضل الله عليه، وعلي آبائه، وعلي الناس، ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون، كما أكَّد على أن أكثر الناس لا يعلمون؛ لأنهم يعبدون أرباباً متفرقين، بدلاً من عبادة الله الواحد القهَّار.

وبعد هذا التذكير الذي قام به يوسف لتحضير نفسيَّة الفتيان، بدأ في تأويل رؤيَيْهما؛ حيث قال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ [يوسف:41]. فانظر إلى الأسلوب المباشر في تفسير الرؤيا، بعد التحضير النفسي الذي قام به قبل ذلك، وانظر إلى الاختصار الشديد والواضح جدا في عملية التأويل، وانظر إلى المعاني الرمزية في الرؤيا، وكيف استطاع يوسف - عليه السلام - بذكائه ونفاذ بصيرته، أن يدرك - بإلهام من الله تعالى - القيمة التنبُّئيَّة للرؤيا، بناءً على فهمه لموقفَيْ صاحبَيْه في السجن، وبناءً على ما كانا يشعران به ويفكران فيه.

وإيماناً منه بنجاة أحدهما؛ طلب منه يوسف - عليه السلام - أن يتذكره بعد خروجه، وأن يذكره عند ربه، لعله يعيد النظر في الحكم الصادر ضده ظلماً وبهتاناً، ولكن الفتى انشغل بأمور دنياه، ونسي تماماً ما وصَّاه به يوسف، ولم يتذكر التماس يوسف بأن يذكر قصته عند الملك، إلا بعد أن سمع رؤيا الملك، وقد مضت قبل ذلك بضع سنين، قضاها يوسف - عليه السلام - في السجن صابراً محتسباً، ولك أن تتصور مختلف الانفعالات والأفكار التي جالت بذهن يوسف وهو يقاسي وحيداً آلام السجن، بعيداً عن أهله ووطنه، ولكنْ لم يكن يوسف وحيداً في السجن؛ بل كان الوحي معه، وكان يدرك تماماً مغزى الرؤيا التي رآها؛ فكان ذلك عزاءه ومحطَّ آماله، فلم ييئس، ولم يقنط، وبقي ينتظر الفرج.


رؤيا الملك:

ويشاء الله - تعالى - أن يُرى الملك رؤيا لم يستطع فهم مغزاها؛ فلجأ إلى حاشيته، يقصُّ رؤياه، لعله يجد لها تفسيراً: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف:43]. فكيف أجابه الملأ الذين لم يفهموا معاني الرموز - (البقرات والسنبلات والسنين) - في الرؤيا؟ ﴿ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ [يوسف:44]. قد يبدو من هذا الجواب أن تأويل الأحلام لم يكنْ شيئاً معروفاً - كعلم - عند حاشية الملك، كما قد يرجع إلى أن أغلب الناس حينئذ - بل إلى الآن - لم يكونوا يعتقدون بأن للأحلام معاني ودلالات، وقدرة على التنبُّؤ بما سيقع مستقبلاً؛ بل يعتبرون الأحلام عبارة عن أضغاث، أي: خيالات وأوهام لا معنى لها، وفي هذا الموقف تجاهل - إن لم يكن جهلاً - لأحد مصادر المعرفة، التي قد تُفيد في فهم السلوك وغيره من الظواهر، إن بنيت على أساس من العلم المنهجي، بدلاً من "التخريف والتجديف" والادعاءات الكاذبة! ورغم هذا التجاهل والجهل، فقد اعترفت حاشية الملك بأنه لا علم لها بتأويل الأحلام؛ وفي هذا الاعتراف ما قد يدل على التواضع وعدم الادِّعاء، وإن كان إقراراً بجهلهم.


وجاء دور الذاكرة ليؤدي واجبه؛ فقد تذكر الذي كان في السجن مع يوسف صاحبَ سجنه، وتذكر قدرته على تأويل الأحلام؛ فطلب الترخيص له، ليسأل يوسف عن تعبير رؤيا الملك، وأسرع الخطى إلى السجن، وما التقى بيوسف حتى راح يستفتيه في رؤيا الملك ودلالتها، قائلاً: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ [يوسف:46]. فكان جواب يوسف - بعد أن أدرك المغزى الرمزي للرؤيا - عن السؤال مباشرةً، حيث قال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف:47-49].



ونلاحظ هنا أن يوسف - عليه السلام - لم يكن أسير انفعالاته؛ إذ راح يقدم الجواب عن طيب خاطر، ولم يحاول استغلال الموقف.

ولاشك أن الملك قد أعجب إعجاباً شديداً بتعبير يوسف لرؤياه؛ فأمر بإحضاره، ولكن يوسف لم يمتثل هذه المرة لطلب الملك، بل ردَّ الرسول رداً جميلاً، طالباً منه أن يرجع إلى الملك، ويسأله عن النسوة اللاتي قطَّعنَ أيديهنَّ، وكِدْنَ له؛ لوضعه في السجن، حيث لبث بضع سنين، وفي هذا تعبير عن غضب يوسف على السلطة الحاكمة، التي لم تحاول تحرِّي الحقيقة وإنصاف المظلومين، وكان من أهداف يوسف من وراء ذلك: أن يدفع الملك ليتحرَّى بنفسه ما حدث، حتى تنجلي حقيقة الموقف، وينكشف المجرم، ويبرِّئ يوسف ذمَّته.


تعليق على الرؤى الثلاث في سورة يوسف:

1 - الملاحَظ أن كل الرؤى رمزية في مضمونها وأشخاصها، ويتطلَّب فهمها تأويل الرموز الواردة فيها.



2 - أن للرؤى دلالات ثقافية مرتبطة بالبيئة الجغرافية؛ وبدون فهم الثقافة السائدة؛ لا يمكن فهم وتأويل الرؤيا، فالرؤيا الأولي: (ليوسف - عليه السلام -) تتعلق برموز فلكية (الشمس، والقمر، والكواكب)، وهي رمز للعلوّ، وتتضمن تلك الرؤيا موضوع السجود؛ والسجود لا يكون إلا لعظيم (الله، الملك). والرؤيا الثانية: (لأصحاب يوسف في السجن)، تتضمن (الخمر، والخبز، والطير). والرؤيا الثالثة: (للملك) ذات مضمون زراعي (سنبلات، وبقرات).



3 - أن الرُّؤَى ذات قيمة تنبُّئيَّة؛ أي: القدرة على استكشاف ما سيجري في المستقبل، سواء كان هذا المستقبل قريباً أم بعيداً.



4 - أن الرُّؤَى قد لا تتحقق إلا بعد مرور سنوات عديدة، كما هو الشأن في رؤيا يوسف.



5 - أن الرُّؤَى تؤثر في الجانب الوجداني في الإنسان، فغالباً ما تحيره وتقلقه، وقد تدهشه وتحزنه، كما قد تسرُّه!! فالرؤيا قد تحمل بُشْرَى كما قد تحمل نذيراً؛ وبالتالي فهي تؤثر في أبعاد الإنسان: الوجدانية، والعقلية، والسلوكية.



6 - ليس كل ما يراه الإنسان في الأحلام عبارة عن رُؤَى؛ فقد يكون بعض ما يراه الإنسان في المنام أضغاث أحلام، وبالرغم من ذلك؛ فإن لهذه الأضغاث معاني وأهدافاً، ولكنها لا تحمل بالضرورة قيمة تنبُّئيَّة.



7 - قد تدل الأحلام على الصراعات، وإشباع الرغبات التي لا يستطيع الفرد إشباعها في اليقظة، ولكن الرؤيا غير ذلك؛ إذ أن قيمتها تتمثل في التنبُّؤ أساساً.



8 - تأتي الرؤيا واضحةً، وإن كانت بصفة رمزية، وقد تتكرر نفس الرؤيا عدة مرات، بينما تأتي الأحلام غير واضحة، ويقع فيها خلط، ولذا تسمَّى بالأضغاث؛ فالأضغاث جمع ضِغْث، وهي حزمة من الحشيش التي تخلط فيها الأعشاب الطرية بالأعشاب اليابسة؛ وكذلك تكون الأحلام مختلطة في أغلب الأحيان.



 0  0  365
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:33 صباحًا الأحد 29 ربيع الأول 1439 / 17 ديسمبر 2017.