• ×

بحث ودراسه في أحاديث الرؤيا من أجزاء النبوة (راوية ودراية).

الباحث: د. حسن محمد عبه جي - تخصص الحديث الشريف.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 مجال الدراسة: دراسة حديثية، وثيقة الصلة بعلمي الحديث الرواية والدراية.





الباحث:هدف الدراسة:

تهدف إلى إيجاد إجابات علمية واضحة عن تساؤلات حول الأحاديث الواردة في الرؤيا التي هي من أجزاء النبوة، من أهمها: كيف نتعامل مع عدد من الأحاديث في هذا الموضوع، وهي مختلفة فيما بينها في نقطتين: عدد أجزاء النبوة، وصفات الرؤيا والرائي، ثم ما معنى جزء النبوة؟ وكيف يناله غير النبي؟ ومتى تكون الرؤيا من أجزاء النبوة؟.. الخ - تخصص الحديث الشريف.





عدد الصفحات: (107) صفحة.



هدف الدراسة:

تهدف إلى إيجاد إجابات علمية واضحة عن تساؤلات حول الأحاديث الواردة في الرؤيا التي هي من أجزاء النبوة، من أهمها: كيف نتعامل مع عدد من الأحاديث في هذا الموضوع، وهي مختلفة فيما بينها في نقطتين: عدد أجزاء النبوة، وصفات الرؤيا والرائي، ثم ما معنى جزء النبوة؟ وكيف يناله غير النبي؟ ومتى تكون الرؤيا من أجزاء النبوة؟.. الخ.



إجراءات البحث:

قام الباحث بجمع الأحاديث الواردة في الباب، ثم خرجها، ودرس أسانيدها، وميز صحيحها من سقيمها، ولكثرة تلك الأحاديث - فقد بلغت ثمانية عشر حديثاً - تناول الباحث موضوع تواترها، ثم شرحها وسلط الضوء في الشرح على ثلاث نقاط، الأولى: صفات الرؤيا وصاحبها من خلال هذه الأحاديث، الثانية: التوفيق بين الروايات الصحيحة في اختلافها في عدد أجزاء النبوة، الثالثة: بيان معنى جزء النبوة.

الباحث: د. حسن محمد عبه جي - تخصص الحديث الشريف.



أهم نتائج هذه الدراسة:


1 - أن أصح الروايات خمسة، وهي على الترتيب: (46ثم 70ثم 45ثم 40) إضافة إلى الرواية المطلقة، والأخيرة تقيدها الروايات السابقة، وما سواها فروايات ضعيفة، أو لا سند لها أصلاً.





2 - أن التواتر في هذا الخبر مقصور على القدر المشترك بين جميع الروايات، وهو أن الرؤيا الصادقة جزء من النبوة، دون تحديد هذا الجزء بقدر معين.





3 - أن الرؤيا لا تكون جزءاً من أجزاء النبوة إلا إذا كانت صادقة ورائيها صالحاً.





4 - أن الاختلاف في عدد الأجزاء عائد إلى اختلاف حال الرائين في الصلاح، أو اختلاف الرؤى في دلالاتها، وقيل غير هذا.





5 - أن جزء النبوة للرؤيا الصالحة لا يعلم حقيقته بشر إلا الأنبياء، مع الاعتقاد أن جزء الشيء لا يسلتزم ثبوت وصفه له.





﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾


الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:


فإن العناية بالسنة المطهورة من أشرف ما اشتغل به الباحثون وصرفو إليه هممهم؛ لما لها من المنزلة الرفيعة، والمكانة العالية في الدين، يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾[1] ويقول سبحانه: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [2]





وإن أوجه العناية بالسنة متعددة، منها: ما يعود إلى الأسانيد التي نقلت السنة إلينا بواسطتها، وذلك بدارستها، وبيان أحوال ناقليها، وغير ذلك، ومنها: ما يعود إلى المتون، وذلك بالتحري في نقلها، وضبطها، وشرحها، وتوضيح ما أشكل منها، والجمع بينها إذا كان ثمَّ تعارض... إلى غير ذلك من أوجه العناية.





وهذه دراسة حديثية أجمع من خلالها الأحاديث الواردة في الرؤيا التي هي من أجزاء النبوة، ثم أقوم بتخريجها، ودراستها، والتعليق عليها؛ خدمة للسنة الشريفة، ومساهمة في توضيحها وتقريبها للمسلمين، ودفاعاً عنها من خطر الأعداء، الذين يسعون دائبين إلى التشكيك فيها والنيل منها.



والباعث على هذه الدراسة أمور، أذكر منها:


1 - أن الأحاديث الواردة في الرؤيا التي من أجزاء النبوة اختلفت ألفاظها اختلافاً كبيراً، فقد حددت بعض الروايات الؤيا بجزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة، وبعضها: بجزء من ستة وسبعين جزءاً، وبين الروايتين أحاديث كثيرة وأرقام مختلفة، مما حملني على جمع كل الأحاديث الواردة في هذا الباب وتخريجها ودراستها.



2 - أن أعداء السنة الشريفة سواء أكانوا من المستشرقين أو من تسموا بالقرآنيين - وهم قد كفروا بالقرآن - قد يتخذون من الاختلاف الحاصل بين هذه الأحاديث وأمثالها ذريعة لنفث سمومهم ونشر شرورهم، في الصد عن السنة المطهرة، والتشكيك فيها، فجاءت هذه الدراسة لتمييز الروايات الصحيحة، والتوفيق بينها.



3 - قد يستشكل البعض ممن يقف على ظواهر النصوص معنى هذا الحديث، في جعله الرؤيا الصالحة جزءاً من النبوة، ومعلوم أن النبوة قد ختمت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقد اشتملت هذه الرسالة على دفع هذا الاستشكال من خلال توضيح معنى الجزء في هذه الأحاديث، وتبيين المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (من النبوة).



وقد اشتملت هذه الدراسة على: تمهيد، ومبحثين، وخاتمة، على النحو التالي:


التمهيد ويشمل:

أولاً: التعريف بالرؤيا.


ثانياً: حقيقة الرؤيا.





المبحث الأول: روايات الحديث، ويشمل ثلاثة مطالب:


المطلب الأول: الروايات الصحيحة.


المطلب الثاني: الروايات الضعيفة.


المطلب الثالث: حول تواتر الحديث.





المبحث الثاني: شرح الحديث، ويشمل ثلاثة مطالب:


المطلب الأول: الصفات التي تشترط للرؤيا وصحابها.


المطلب الثاني: التوفيق بين الروايات في تحديد الجزء.


المطلب الثالث: بيان معنى "النبوة".





الخاتمة:

وتشمل أهم نتائج البحث.





هذا، وأسأل الله تعالى حسن القصد، والسداد في القول والعمل، وأن يجعل هذا البحث نافعاً مفيداً، ومقبولاً لديه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.



تمـهيد:


أولاً: التعريف بالرؤيا:


الرؤيا - في الأصل - مصدر: رأى في المنام يرى رؤيا، على وزن فُعْلَى، قال الشاعر:

عسى أرى يقظان ما أريت ♦♦♦ في النوم رؤيا أني سقيت[3]









ثم جعلت اسماً لما يراه الشخص في منامه.




قال الواحدي[4]: "هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسماً لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء" انتهى.





وفرق أهل اللغة بين (الرؤيا) و(الرؤية): فخصوا الأولى بما يراه الإنسان في النوم، والثانية بما يراه بحاسة البصر في اليقظة، فقالوا: رأى في المنام رؤيا حسنة، ورأى بعينه في اليقظة رؤية، الأولى بالبصيرة، والثانية بالبصر.





قال أبو البقاء[5]: "الرؤيا كالرؤية، غير أنها مختصة بما يكون في النوم؛ فرقاً بينهما.. ورأى رؤيا: اختص بالمنام، ورؤية: بالعين" انتهى.





قلت: ويفرق بينهما في الإعراب أيضاً، فإن (رؤيا) ممنوعة من الصرف؛ لأنها ختمت بألف التأنيث، و(رؤية) مصروفة، لا مانع فيها.





وقد تستعمل (الرؤيا) مصدراً في اليقظة فتكون بمعنى (الرؤية):


قال ابن بري[6] "قد جاء الرؤيا في اليقظة، قال الراعي[7]:

فَكَبَّرَ لِلرُّؤيَا وَهَشَّ فُؤَادُهُ ♦♦♦ وَبَشَّر نَفْساً كَانَ قَبلُ يَلُومُهَا[8]












وعليه فسر قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾[9]


أخرج البخاري[10]بسنده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير هذه الآية قوله: "هي رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به".





قال ابن حجر[11] "استدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على ما يرى بالعين في اليقظة، وقد أنكره الحريري تبعاً لغيره، وقالوا: إنما يقال: رؤيا في المنام، وأما التي في اليقظة فيقال: رؤية، وممن استعمل الرؤيا في اليقظة المتنبي[12]في قوله: ورؤياك أحلى في العيون من الغمض، وهذا التفسير يرد على من خطأه".





وهمزة (الرؤيا) محققة، ومن العرب من يسهل همزتها، فيقول: رويا.





قال الفراء[13]: "إذا تركت الهمزة من الرؤيا قالوا: الرويا: طلباً للهمزة[14]".





لكن تجتمع واو ساكنة بعدها ياء، والقاعدة فيها: أن تقلب الواو ياء، ثم تدغم الياء في الياء، فتصير ياء مشددة، تقول: رأيت ريَّا، كما تقول: لويته ليّاً، وكويته كيّاً، والأصل فيهما: لوياً وكوياً، وتقلب الضمة على راء (ريا) كسرة؛ لمناسبة الياء المشددة التي بعدها، وجوز بعضهم إبقاء الضمة؛ إشارة إلى الواو المنقلبة[15]، واقتصر الخليل[16] على الكسر فحسب.





قال الفراء[17]: "فإذا كان من شأنهم تحويل الهمزة قالوا: لا تقصص ريَّاك، في الكلام، وأما في القرآن فلا يجوز؛ لمخالفة الكتاب..".





وزعم الكسائي[18] أنه سمع أعرابياً يقرأ: إن كنتم للريَّا تعبرون".





واختلفوا في جمع (رؤيا): فذهب الجمهور إلى أنها تجمع على: رؤى.





قال ابن منظور[19]: "وجمع الرؤيا: رؤىً، بالتنوين، مثل: رُعى".





وقال أيضاً[20]: "رأيت عنك رؤى حسنة: حَلَمتها، وأرأى الرجل إذا كثرت رؤاه، بوزن: رعاه، وهي أحلامه، جمع: الرؤيا".





وقال الخليل[21] لا تجمع (الرؤيا)، ونقله ابن منظور[22]من غيره.



ثانياً: حقيقة الرؤيا:


تناول العلماء قديماً وحديثاً - على اختلاف تخصصاتهم واهتماماتهم - قضية الرؤى والأحلام بالبحث والدراسة، في محاولات دائبة للوقوف على طبيعتها، ودراسة أسبابها.





وسأذكر هنا أشهر النظريات والدراسات حول الرؤى والأحلام عند الفلاسفة وعلماء النفس والأطباء، ثم أعلق عليها بكلمات يسيرة، مظهراً من خلالها الصواب الذي يمكن قبوله، والخطأ الذي ينبغي أن يحذر منه، فأقول:



اشتملت آراء الفلاسفة وعلماء النفس والأطباء - قديماً وحديثاً - حول طبيعة الرؤى والأحلام وأسبابها، على أربعة تفسيرات رئيسية:


أولاً: الأحلام ناتجة عن مؤثرات جسمية.


فقد ذهب جالينوس[23]إلى أن الأحلام تتعلق بالحالة الصحية للإنسان[24]





وذهب أرسطو[25]إلى أنها عبارة عن تأثيرات عقلية ناجمة عن أسباب جسمية[26]





ونسب جمهور الأطباء قديماً جميع الرؤى إلى الأخلاط، فقالوا: من غلب عليه البلغم رأى السباحة في الماء، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، وهكذا يصنعون في بقية الأخلاط[27].





وأثبت الأطباء حديثاً أن الرؤى تنجم عن إثارات جسمانية وحسية، تأتي إلى النائم من العالم الخارجي ومن أعضائه الداخلية على حد سواء[28].





فأثبتوا قسماً من الرؤى بسبب تأثيرات الأعضاء الداخلية في الجسم.



فهذه الأقوال وما في معناها في دلالاتها على أن الرؤى والأحلام تعود لأسباب داخلية في جسم الرائي يمكن قبولها مع ملاحظة أمرين:



الأول:

عدم تعميم هذا في كل الرؤى؛ إذ ليست جميع الرؤى من هذا القبيل، بل يقال: إن نوعاً من الرؤى يرجع لأسباب داخلية في جسم الإنسان، وهناك أنواع من الرؤى لها أسباب أخرى.



الثاني:

عدم إضافة الرؤى التي من هذا القبيل إلى المؤثرات الجسمية، بمعنى أن يعتقد أن تلك المؤثرات صنعت تلك الرؤى، فهذا مما يخالف الاعتقاد بأن الله سبحانه هو الخالق لكل شيء، والصحيح أنها مجرد أسباب خلق الله عندها هذا النوع من الرؤى.





قال المازري[29]: "وهذا مذهب وإن جوزه العقل، وأمكن عندنا أن يجري الباري جلت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط، فإنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها، فإنا نقطع بخطئهم، ولا نجوز ما قالوه؛ إذ لا فاعل إلا الله سبحانه".



ثانياً: الأحلام ناتجة عن مؤثرات خارجية.


يعتقد ديموقريطس[30] أن الأحلام تتعلق بأشياء تدور في الفضاء، وعند محاذاتها لنفس النائم فإنها تهاجمها وتنتقش فيها[31].





وهذا القول فيه خلط ظاهر، وقد عده المازري فاسداً وتحكماً بما لم يقم عليه برهان، وأضاف قائلاً[32] "الانتقاش من صفات الأجسام، وكثيراً ما يجري في [المنام[33] الأعراض، والأعراض لا تنتقش ولا ينتقش فيها".



ثالثاً: الأحلام ناتجة عن تخيلات باطلة.


جاء في "المعجم الفلسفي[34]: "الرؤيا خيال باطل عند جمهور المتكلمين؛ إذ الغالب منه أضغاث أحلام، ولفقد شرائط الإدراك عند النوم، فالنوم ضد الإدراك فلا يجامعه، فلا تكون الرؤيا إدراكاً حقيقة، بل من قبيل الخيال الباطل".





قلت: لا ينكر عاقل أن من الرؤى ما هو من قبيل الأضغاث المختلطة التي لا تعبير لها ولا مدلول، وسيأتي ما يدل على هذا من النصوص الشرعية، لكن الذي يؤخذ على هذا القول هو التعميم والاعتقاد بأن كل الرؤى من هذا القبيل.





ثم إننا نحن المسلمين لا نوافق على الفلاسفة: (النوم ضد الإدراك فلا يجامعه)، بل نثبت إدراكاً خاصاً للنائم، تفاوت فيه الناس؛ فقد ثبت أن رؤى الأنبياء وحي من الله تعالى، ورؤى الصالحين جزء من أجزاء النبوة، وهذا الجزء متفاوت من شخص لآخر، كما سيتضح من خلال هذا البحث، مما يدل على أن في النوم إدراكاً خاصاً لا يصح نفيه.



رابعاً: الأحلام ناتجة عن مؤثرات نفسية.


عرف علماء النفس الأحام بأنها: (سلسلة ظواهر نفسية تحدث أثناء النوم، ويجري تذكرها نسبياً بعد اليقظة)[35].





ويرى فرويد[36] زعيم مدرسة التحليل النفسي أن الأحلام ظاهرة تكشف عن صراعات جنسية أو عداونية يعانيها الحالم، أو أنها تعبير عن رغبات قديمة مكبوتة، فيرمي الحلم إلى إشباع هذه الرغبة بطريقة رمزية، ويمكن بتأويل رموز الحلم عن طريق التداعي الحر، الكشف عن المضمون الكامن، أي: عن مكبوتات اللاشعور من عقد وصراعات[37].



وقد دلت أبحاث الأطباء العلمية الحديثة على أن هناك نوعين من الأحلام:


1 - أحلام ذات علاقة مباشرة بالحياة، ويقولون: إن هذا النوع من نتائج أفعال ونشاط القشرة المخية في مقدمة الدماغ.





2 - أحلام صادرة عن رغبات وأفكار مكبوتة في اللاشعور، وهذا النوع نتيجة نشاط في الجزء الخلفي من المخ[38]





والنوع الثاني عند الأطباء هو الذي ذكرناه عن (فرويد) قبل قليل، ولا يشك عاقل في أن نوعاً من الأحلام يكون تعبيراً عن رغبة مشتهاة أو تنفيساً عن كبت داخلي، لكن يبقى التساؤل عن جملة كبيرة من الأحلام التي لا يمكن تفسيرها بناء على هذه النظرية، وبخاصة تلك الرؤى التي تتنبأ بالمستقبل القريب أو البعيد، مما لا مجال للتردد في وجوده، فهو واقع في منامات الناس فعلاً، قديماً وحديثاً.





وقد قسم قدامى الفلاسفة الرؤى والأحلام إلى طبقتين، الأولى: أحلام تأثرت بالحاضر أو الماضي، ولكنها خالية من الدلالة على المستقبل، والثانية: أحلام تحدد المستقبل، وتشمل النبوءة المباشرة التي يسمعها المرء في الحلم، فتكون الرؤيا سابقة إلى حدث في المستقبل[39]





فالطبقة الثانية - أعني: الأحلام المستقبلية التنبؤية - لا يمكن أن تفسر إلا على أساس الاعتراف بصلة ما خفية بين الروح وعالم الغيب، مما يجعل نظرية (فرويد) قاصرة، لا تصدق على جميع أنواع الرؤى والأحلام.





وقال سيد قطب[40] بعد أن أثار تساؤلات عن طبيعة الرؤيا: "تقول مدرسة التحليل النفسي: إنها صور من الرغبات المكبوتة، تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي - قال - وهذا يمثل جانباً من الأحام، ولكنه لا يمثلها كلها".



وبعد، فهذه أبرز النظريات والآراء حول طبيعة الرؤى والأحلام، صدق بعضها على جملة من الأحلام، واشتمل بعضها الآخر على خلط وفساد - كما رأينا - ويرجع هذا للأسباب الآتية:


1 - أن كل فئة ناقشت هذه القضية باللغة التي تحسنها، وتعاملت معها بالأدوات التي تمتلكها، فالفلاسفة تكلموا فيها بمنطق فلسفي، وعلماء النفس على أنها ظاهرة نفسية، والأطباء على أنها مشكلة متعلقة بجسم الإنسان، وأخضع كل فريق جميع ما يراه الناس في أحلامهم إلى ما توصل إليه من دراسات ونظريات تحكماً وتمحلاً، وهذا واضح جلي من خلال ما ذكروه.





وفات الجميع أن الرؤى والأحام تتعلق بعالم خاص، هو عالم الروح، يدرك الإنسان بعض آثاره، ويجهل إلى اليوم كثيراً من أسراره.



2 - أن كلاً ممن تقدم أدلى بدلوه في هذا القضية بقدر ما لديه من معارف وخبرات وتجارب، لذا جاءت التفسيرات متفاوته، وفوق كل ذي علم عليم.



3 - أن الاعتماد في كل النظريات والأقوال السابقة على التجارب المادية والعقل المحض، والرؤى والأحام من القضايا الروحية، التي لا تخضع للتجارب المادية، كما أن تحكيم العقل فيها إعمال له في ما هو أوسع من نطاقه.





فالواجب على العاقل - كي لا يضل الطريق - أن يهتدي في مثل هذه القضايا بما جاء عن الخالق العظيم الذي خلق الروح، وأناط بها الرؤى، وتركها سراً خفياً ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ [41]



الرؤى والأحلام عند المسلمين:


عمدة علماء المسلمين في هذا الباب: خبر الله تعالى، وخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ولذلك جاء كلامهم في غاية الكمال والشمولية.





ولو توقفنا لنقارن بين ما جاء في الآيات والأحاديث حول الرؤى والأحلام، وبين أقوال الفلاسفة والأطباء وعلماء النفس من خلال دراساتهم ونظرياتهم وأبحاثهم، لوجدنا أن ما توصلوا إليه واكتشفوه بعد زمن طويل ولأي شيء وجهد متواصل، يعد نوعاً من أنواع الرؤى والأحلام، وقد فاتتهم بقية الأنواع التي نص عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة.





إن المسلم عنده الأدلة الشرعية الكافية للتصديق بالأحلام النفسية قبل أن يكتشفها علماء النفس، بل قبل ظهور علم النفس كله.





كما أن عنده الأدلة للتصديق بالرؤى التنبؤية، فالقرآن الكريم ذكر رؤيا يوسف عليه السلام، ورؤيا عزيز مصر، ورؤيا صاحبي السجن، وذكر غيرها من هذا القبيل، فهو يؤمن بها، ولا يضيره بعد ذلك عدم اعتراف علماء النفس بها.





وقد جاءت السنة الشريفة بتقسيم شامل كامل للرؤى والأحلام، بما لا يدع بعدها قولاً لأحد:


فقد أخرج الشيخان[42]من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه.. ) الحديث[43].





وفي رواية للترمذي[44]: (الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان....).





قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".





وأخرج ابن ماجة[45] من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).





قال[46]: قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال البوصيري[47]: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".



قلت: دل الحديثان السابقان على أن الرؤى والأحلام ثلاثة أنواع:


الأول: الرؤيا الصالحة: وهي الرؤيا الحق، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.





الثاني: الحلم النفسي: نص عليه حديث أبي هريرة بلفظ: (ورؤيا مما يحدث المرء نفسه)، وحديث عوف بن مالك بلفظ: (ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه)، بيد أن الرواية الأولى أعم وأشمل من الثانية؛ لأن حديث النفس يشمل الهم وغيره.





والمراد هنا: جميع الأحلام الناشئة عن أمور نفسية، فمن أراد أمراً ما، أو تمناه، أو هم به، أو عزم على فعله، أو انشغل فكره بما له تعلق بمزاجه أو عادته المستمرة، وما إلى ذلك، فقد حدث به نفسه، فإذا رأى ذلك الأمر في منامه، فإن رؤياه من قبيل الأحلام النفسية.





الثالث: الحلم الشيطاني: نص عليه حديث أبي هريرة بلفظ: (ورؤيا تحزين من الشيطان)، وحديث عوف بن مالك بلفظ: (أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم).





فالرؤيا التي اشتملت على الأهوال والشدائد والمناظر المفزعة، فأثارت عند رائيها الخوف، وأدخلت على قلبه الحزن، فإنها من قبيل الأحلام الشيطانية.





ولا يعني هذا أن كل حلم بدت آثاره على رائيه كذلك يكون من قبيل الأحلام الشيطانية، فقد تقع تلك الأحلام بسبب داخلي عند الحالم، إن كان يعاني من مشاكل أو اضطرابات نفسية أو جسمية، فتكون حينئذة من قبيل الأحلام النفسية.





ومن الأحلام الشيطانية: الاحتلام، نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية[48]





قلت: وهذا ليس على إطلاقه، فالمؤثرات النفسية قد تكون أحياناً سبباً في الاحتلام، كما لا يخفى، فيكون حينئذ من قبيل الأحلام النفسية أيضاً، والله أعلم.





ونسبة بعض الرؤى إلى الشيطان (حلم شيطاني) نسبة مجازية لا حقيقة، فخالق الرؤى والأحام جميعها هو الله سبحانه وتعالى: هذا مما لا يشك فيه مسلم.





قال المازري[49]: "يخلق الله تعالى الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علماً على ما يسر بحضرة الملك أو بغير حضرة الشيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان، فتنسب غليه مجازاً واتساعاً، وهذا المعني بقوله صلى الله عليه وسلم : (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)[50]، لا على أن الشيطان يفعل شيئاً في غيره، وتكون الرؤيا اسماً يحب، والحلم لا يكره" انتهى.





تلك هي أنواع الرؤى والأحلام كما دلت عليها السنة الشريفة.





قال أبو عبدالله القرطبي[51]: "قد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا أقساماً تغني عن قول كل قائل"، ثم ساق حديث عوف بن مالك المتقدم.





وقال أبو بكر ابن العربي[52]: " - أما - تقسيمه صلى الله عليه وسلم الرؤيا على ثلاثة أقسام، فهي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني" انتهى.





لكن الحافظ ابن حجر قال[53] "ليس الحصر مراداً من قوله "ثلاث"، لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب، وهو: حديث النفس".





قلت: حديث أبي هريرة المشار إليه تقدم قريباً[54] وقد فرق ابن حجر في كلامه هذا بين: حديث النفس، وبين ما يهم الرجل في يقظته فيراه في منامه، وقد تقدم معناهما[55] وأن المراد منهما جميع الأحلام النفسية، هكذا فهم القرطبي وابن العربي وغيرهما، فلا داعي لهذا التنويع، والله أعلم.





ثم قال ابن حجر[56] "وبقي نوع خامس، وهو: تلاعب الشيطان".





واستدل له بحديث جابر بن عبد الله عند مسلم[57] قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن راسي ضرب فتدحرج، فاشتددت على أثره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: (لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك).





وقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد يخطب فقال: (لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه).





قلت: تلاعب الشيطان الوارد في هذا الحديث واضح أنه من الأحلام الشيطانية، وليس نوعاً زائداً كما قال الحافظ، وتقدم في حديث أبي هريرة: (ورؤيا تحزين من الشيطان)، وفي حديث عوف بن مالك: (أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم).





فالأحلام الشيطانية إذا تشتمل على الأهوال؛ لإدخال الخوف والرعب والهلع على قلب رائيها، وما رآه الأعرابي أهاويل أحزنته وأفزعته، ولولا شدة هلعه مما رأى لما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم .





ثم قال ابن حجر[58]: "ونوع سادس وهو: رؤيا ما يعتاد الرائي في اليقظة، كمن كانت عادته أن يأكل في وقت، فنام فرأى أنه يأكل، أو بات طافحاً من أكل أو شرب، فرأى أنه يتقيأ".





قلت: رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة من الأحلام النفسية وقد تقدمت، وهي أخص منها فتندرج تحتها، ولا حاجة لإفرادها بنوع خاص، على أن الحافظ نفسه لم يأت بدليل على هذا النوع، وقد قال عقب ذلك: "وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص"!.





ثم قال ابن حجر[59]: "وسابع وهو الأضغاث" ولم يوضحه هنا بتعريف ولا مثال!





والأضغاث في اللغة: الأخلاط، قال القرطبي[60]: "واحد الأضغاث: ضغث، يقال: لكل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما: ضغث" انتهى.





وقال الأصفهاني[61]: "وبه شبه الأحلام المختلطة التي لا يتبين حقائقها ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾[62] أي: حزم أخلاط من الأحلام".





وبناء على هذا، فالأضعاث ليست نوعاً زائداً على الأقسام الثلاثة المذكورة في السنة المطهرة، وإنما هي أخلاط من نوعين، هما: الأحلام النفسية، والمرائي الشيطانية، فلا تستحق أن تفرد بنوع خاص.





وقد صرح بهذا الإمام أبو العباس القرطبي[63]فقال: "وقد يجتمع هذان السببان، أعني: هموم النفس، وألقيات الشيطان في منام واحد، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها".





ويرى بعذ الدارسين الاستقرائيين التجريبيين أن الأضغاث إنما تأتي للرائي بأحد سببين: بدني أو نفسي، فإما أن يكون المرء في وضع صحي بدني منحرف، أو مزاج نفسي مضطرب، فينعكس ذلك على صفحة النفس اختلالاً واختلاطاً وبلبلة، وتكون الأحلام أضغاثاً[64]





وبناء على هذا فالأضغاث من الأحلام النفسية فحسب.





ثم إن لابن حجر نفسه كلاماً آخر[65]حول هذه الأنواع، لا يتفق مع كلامه المتقدم، فقد قسم الرؤى هناك إلى قسمين: صادقة، وأضغاث، ثم جعل الأضغاث على أنواع، فارجع إليه إن شئت؛ لتقف على مدى الاختلاف بين كلاميه.





وتوسع النابلسي[66] في أقسام الرؤى، فذكر للصادقة خمسة أقسام، وللتي بسبب الشيطان سبعة أقسام، وقد أعرضت عن ذكر تلك الأقسام؛ لأن منها: ما يعود إلى الأقسام الثلاثة المتقدمة الثابتة بالأحاديث الشريفة، ومنها: ما يتوقف القول فيه على دليل، ولم أجده؟.





وبهذا تبقى أقسام الرؤى ثلاثة، وهي التي نص عليها حديث أبي هريرة وحديث عوف بن مالك المتقدمين.





وقد وردت روايات متعددة تدل على أن القسم الأول - أعني: الرؤى الصالحة التي هي بشرى من الله تعالى - جزء من أجزاء النبوة، لكن هذه الروايات اختلفت فيما بينها حول تحديد جزء النبوة قلة وكثرة، كما أن فيها إشكالاً في نسبة جزء من النبوة إلى غير الأنبياء.





فقمت من خلال هذه الدراسة بجمع الروايات الواردة في الباب، وتخريجها، ودراستها، والتعليق عليها، وشرحها، وتوضيح ما أشكل من معناها، وهذا أوان الشروع في أول مباحثها:


المبحث الأول:


روايات الحديث:


إن الروايات الواردة في هذا الباب متفاوتة من حيث القوة والضعف، فقد بلغ بعضها أعلى درجات الصحة، وكان بعضها في أدنى درجات الضعف، وسأعرض في هذا المبحث تلك الروايات بأسانيدها ومتونها.





أما ما يتعلق بالأسانيد: فإني أسوق طرق الأحاديث، ثم أوضح درجتها، مع النص على مكمن الضعف وبيان العلة في السند الضعيف دون إسهاب، معتمداً على أقوال أئمة الجرح والتعديل في الرجال، ومستأنساً بأحكام الأئمة المتقدمين على تلك الأحاديث.





وكل حديث في الصحيحين أو أحدهما فهو دليل على صحته ولن أكثر الكلام عنه.





وأما ما يتعلق بالمتون: فقد اعتمدت في ذكرها على لفظ الرواية الأقدم.




وإذا اشتمل المتن على جمل أخرى غير الجملة التي أقوم بدراستها، فسأقتصر على موطن الشاهد منه؛ خشية الإطالة.





وقد قسمت هذه الروايات إلى مطلبين: الأول للروايات الواردة بأسانيد صحيحة، والثاني: للروايات الواردة بأسانيد ضعيفة، أو بدون إسناد أصلاً.





وبلغ مجموع الأحاديث الواردة في الباب ثمانية عشر حديثاً، مما جعلني أعقد مطلباً ثالثاً لمناقشة مسألة تواتر هذا الحديث.





ورقمت الأحاديث المذكورة برقم تسلسلي، وجعلت هذا الرقم هو المعتمد عند الإحالة إلى هذه الأحاديث.



المطلب الأول: الروايات الصحيحة


الأولى: رواية ستة وأربعين.





قال المازري[67]: "الأكثر والأصح عند أهل الحديث: من ستة وأربعين".





قلت: وردت هذه الرواية من حديث أنس بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعوف بن مالك، وعبدالله بن عباس، وأبي رزين العقيلي[68]، ورواها عطاء بن يسار مرسلة:


1 - حديث أنس: رواه عنه: إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، وثابت ابن أسلم البناتي، وحميد بن أبي حميد الطويل.




طريق إسحاق: أخرجها مالك[69]، عنه، ولفظه: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).





وأخرجها من طريق مالك: الشافعي[70]، وأحمد[71]، والبخاري[72]، والنسائي[73]، وابن ماجة[74]والطحاوي[75] وابن حبان[76] والبغوي[77] وابن عساكر[78] والبرزالي[79].





طريق ثابت البناني: أخرجها أحمد[80]عن عفان.





والبخاري[81]عن معلى بن أسد.





والترمذي[82]عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا معلى بن أسد.





وأبو يعلى[83]عن إبراهيم بن الحجاج السامي.





قال ثلاثتهم: حدثنا عبد العزيز بن المختار.





وأخرجها مسلم[84]عن عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة.





كلاهما قال: حدثنا ثابت.





وأخرجها أبو نعيم[85] عن أبي بكر بن خلاد، حدثنا الحارث بن أبي أسامة.





والبغوي[86] عن أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا أبو علي الحسين بن الفضل البجلي.





كلاهما قال: حثدنا عفان.





وخولف أحمد، والحارث، والحسين بن الفضل.





فرواه الحسن بن المثنى، عن عفان، بلفظ: (من ستة وعشرين).





أخرجه ابن عبدالبر[87] عن عبدالله بن محمد بن أنس، حدثنا بكر بن محمد بن العلاء، حدثنا الحسن بن المثنى بن دجانة، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبدالعزيز بن المختار، حدثنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (... ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءاً من النبوة).





قال ابن عبدالبر عقب هذه الرواية: "هكذا في حديث أنس هذا، وهو حسن الإسناد" انتهى.





قلت: فيه (الحسن بن المثني بن دجانة) كذا في المطبوع، ولم أقف له على ترجمة بعد طول بحث، لكن في الرجال من اسمه: (الحسن بن المثنى بن معاذ) من نبلاء الثقات[88] يروي عن (عفان بن مسلم)، فهل يكون هو، وتكون (دجانة) محرفة عن (معاذ)؟ وإلا فهو مجهول.





ومع تقدير أنه هو، فروايته هذه مخالفة لرواية غير واحد من الثقات الذين رووه بلفظ "من ستة وأربعين"، فتكون رواية شاذة، ورواية جماعة الثقات هي المحفوظة، والله أعلم.





وأورد ابن حجر[89]رواية "من ستة وعشرين" ثم قال: "المحفوظ من هذا الوجه كالجادة"، وهذا واضح في الحكم على الرواية المذكورة بالشذوذ.





طريق حميد الطويل: أخرجها ابن أبي شيبة[90]عن العقيلي، عن حميد، وأوقف الحديث.





وأخرجها أحمد[91]عن ابن أبي عدي.





وأبو يعلى[92]عن محمد بن المنهال، حدثنا يزيد. وعن وهب بن بقية، أخبرنا خالد.





ثلاثتهم عن حميد.





قلت: هذا حديث صحيح، أخرجه الشيخان من طريق ثابت، والبخاري دون مسلم من طريق إسحاق.





وقال البغوي[93]بعد إخراجه للطريق الأولى: "هذا حديث صحيح".





وزعم بعضهم[94]أن الطريق الثالثة، وهي طريق (حميد الطويل عن أنس) ضعيفة، واحتج لهذا بأن حميداً كثير التدليس وقد عنعن، وهذا ليس بصواب، فقد نقل العلائي[95] عن مؤمل بن إسماعيل قوله: "عامة ما يرويه حميد عن أنس، سمعه من ثابت - يعني البناني - ، عنه.





"وعن أبي عبيدة الحداد، عن شعبة، قوله: لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثاً، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبته فيها ثابت.





"قلت - القائل هو العلائي - :فعلى تقدير أن تكون مراسيل، قد تبين الواسطة فيها، وهو ثقة محتج به" انتهى.





ثم إن للحديث طريقاً رابعة:


قال البخاري[96]: "رواه ثابت وحميد وإسحاق ابن عبدالله وشعيب، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم " انتهى.





قلت: تقدمت رواية ثابت، وحميد، وإسحاق، وأما رواية شعيب - وهو ابن الحبحاب - وصلهما ابن حجر[97] في كتاب "الروح" لابن منده، من طريق عبدالوارث بن سعيد، وفي الجزء الرابع من "فوائد أبي جعفر محمد بن عمرو الرزاز" من طريق سعيد بن زيد، كلاهما عن شعيب، ولفظه مثل حميد، وأشار الدارقطني إلى أن الطريقين صحيحان.



2 - حديث عبادة: روي من طريق شعبة وسعيد بن أبي مريم، كلاهما عن قتادة، عن أنس، عن عبادة.





فطريق شعبة: أخرجها الطيالسي[98] عنه، بلفظ: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).





ومن طريقه: الترمذي[99]والبيهقي[100]





وقال مسلم[101] حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر وأبو داود. (ح) وحدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي. كلهم عن شعبة.





(ح) وحدثنا عبيد الله بن معاذ - واللفظ له - ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، به.





وأخرجها ابن أبي شيبة[102]قال: حدثنا شبابة بن سوار.





وقال الدارمي[103] أخبرنا الأسود بن عامر.





وقال أحمد[104] حدثنا محمد بن جعفر.





وقال أيضاً[105] حدثنا عبد الرحمن - بن مهدي - .





وقال كذلك[106] حدثنا حجاج.





وقال البخاري[107] حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر.





وقال أبو داود[108] حدثنا محمد بن كثير.





وقال النسائي[109] أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا بشر.





وقال البزار[110]: حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا محمد بن جعفر.





وقال أبو يعلى[111]: حدثنا أحمد، حدثنا شبابة.





وقال الشاشي[112]: حدثنا عيسى بن أحمد وعلي بن سهل بن المغيرة، قالا: حدثنا شبابة.





وقال أيضاً[113]: حدثنا أبو مسلم، حدثنا عمرو بن مرزوق.





وقال البيهقي[114]: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، أخبرنا عبدالله بن محمد بن الحسن الشرقي، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا عبدالرحمن بن مهدي.





قال الجميع: حدثنا شعبة.





وطريق سعيد بن أبي مريم: أخرجها أحمد[115] عن روح، عنه.





والطحاوي[116] عن علي بن شيبة، حدثنا روح.





قلت: هذا حديث صحيح، أخرجه الشيحان.





وقال الترمذي[117]: "حديث عبادة حديث صحيح".



3 - حديث أبي هريرة: رواه عنه: عبد الرحمن بن هرمز (الأعرج)، وسعيد ابن المسيب، ومحمد بن سيرين، وأبو صالح السمان (ذكوان)، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهمام بن منبه، وسليمان بن عريب.





طريق الأعرج: أخرجها مالك[118] عن أبي الزناد، عنه. ولفظه: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة".





وقال الشافعي[119] أخبرنا مالك، به.





طريق سعيد بن المسيب: أخرجها عبد الرزاق[120] عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب.





ومن طريق عبد الرزاق: أحمد[121]ومسلم[122]والبيهقي[123] وأخرجها ابن أبي شيبة[124]وأحمد[125] عن عبد الأعلى.





وقال ابن ماجة[126] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، به.





وأخرجها البخاري[127]قال: حدثنا يحيى بن قزعة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن ابن المسيب.





طريق محمد بن سيرين: أخرجها عبدالرزاق[128] عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين.





ومن طريقة: أحمد[129]، ومسلم[130]، والحاكم[131]، والبيهقي[132]، والبغوي[133].





وأخرجها أحمد[134] عن يزيد، أخبرنا هشام - بن حسان - .





والبخاري[135] عن عبدالله بن صباح، حدثنا معتمر قال: سمعت عوفاً.





والترمذي[136] عن نصر بن علي، حدثنا عبدالوهاب الثقفي، حدثنا أيوب.





وابن ماجة[137] عن أحمد بن عمرو بن السرح المصري، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي.





وقال الطبراني[138] حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا إبراهيم بن راشد الأدمي، حدثنا أبو ربيعة، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وحبيب بن الشهيد وهشام بن حسان.





وقال أيضاً[139] حدثنا أحمد بن خليد الحلبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن معمر، عن قتادة وأيوب.





وأخرجها الطحاوي[140]عن علي بن معبد، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسان.





وابن عبد البر[141]عن عبد الوارث بن سفيان، حدثني قاسم بن أصبغ، حدثني مضر بن محمد المكي، حدثني إبراهيم بن عثمان بن زياد المصيصي، حدثني مخلد ابن حسين، عن هشام بن حسان.





وابن عدي[142]قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن عيسى، عن يونس.





سبعتهم عن ابن سيرين.





وطريق ابن عدي خاصة ضعيفة، فيها (عبدالله بن عيسى) وهو ابو خلف الخزاز، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فرواه محمد بن عبدالأعلى عنه بلفظ: "ستة وأربعين" كما تقدم، ورواه محمد بن مرادس عنه بلفظ: "أربعين".





أخرجه البزار[143] عن محمد بن مرداس، حدثنا أبو خلف، عن يونس، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رؤيا العبد المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة".





وهذه رواية ضعيفة منكرة، والآفة فيها من أبي خلف هذا، فقد قال عنه أبو زرعة: منكر الحديث. وقال ابن عدي: يروي عن يونس وداود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات، أحاديثه أفراد كلها. وقال النسائي: ليس بثقة[144]. وقال الهيثمي[145] بعد أن أورد حديثه: "فيه: عبدالله بن عيسى الخزاز، وهو ضعيف".





طريق أبي صالح: أخرجها ابن أبي شيبة[146] وأحمد[147]، قالا: حدثنا عبدالله بن نمير، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح.





وأخرجها مسلم[148] قال: حدثنا إسماعيل بن الخليل، أخبرنا على بن مسهر، عن الأعمش. (ح) وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش.





طريق أبي سلمة: أخرجها أحمد[149] عن عبدالصمد، حدثني أبي، حدثنا حسين.





وأخرجها مسلم[150]عن يحيى بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير.





وأخرجها مسلم[151]أيضاً عن محمد بن المثنى، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي (يعني: ابن المبارك). (ح) وحدثنا أحمد بن المنذر، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حرب (يعني: ابن شداد).





وأخرجها ابن عدي[152]عن عبيد الله بن جعفر بن أعين، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير.


أربعتهم عن يحيى بن أبي كثير.





وأخرجها أحمد[153]عن يحيى (يعني: ابن سعيد).





والطحاوي[154]عن ابن أبي داود، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد.





وأخرجها البغوي[155]قال: أخبرنا أبو عبد الله الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر.





كلاهما عن محمد بن عمرو.





و (يحيى بن أبي كثير) و(محمد بن عمرو) عن أبي سلمة، به.





طريق همام بن منبه: أخرجها أحمد[156]عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه.





وأخرجها مسلم[157] قال:حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبدالرزاق.





قلت: هذا الحديث من طريق سعيد بن المسيب وابن سيرين أخرجه الشيخان، ومن طريق همام بن منبه وأبي سلمة وأبي صالح أخرجه مسلم، ومن طريق عبدالرحمن الأعرج إسناده صحيح، ورجاله أئمة ثقات.





وقال الترمذي[158] بعد إيراده الحديث من طريق ابن سيرين: "هذا حديث حسن صحيح".





وقال الحاكم[159] أيضاً: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقة الذهبي.





وقد وهما، فقد سبق إخراج الشيخين له من عدة طرق.





وأخرجه البغوي[160] من طريق أبي سلمة، وقال: صحيح.





طريق سليمان بن عريب: أخرجها البزار[161] عن إبراهيم بن زياد الصائغ.





والطبراني[162] عن محمد بن عبدالله الحضرمي.





قال: حدثنا علي بن حكيم، حدثنا عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي.





وأخرجها ابن عبدالبر[163] عن خلف بن قاسم، حدثنا ابن أبي العقب، حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا بن خالد الوهبي[164].





كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن سليمان بن عريب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "رؤيا الرجل الصالح بشرى من الله، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة".





قال - أي: سليمان بن عريب - : فحدثت به ابن عباس، فقال: قال العباس بن عبد المطلب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (هي جزء من خمسين جزءاً من النبوة).





وعند ابن عبد البر قال سليمان فحدثت به ابن عباس فقال: "من خمسين جزءاً من النبوة".





فقلت: إني سمعت أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)؟.





فقال ابن عباس: سمعت العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءاً من النبوة).





وعلقها البخاري[165]قال: قال عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، أخبرنا ابن إسحاق، به.





وأخرجها الطحاوي[166]قال: حدثنا أبو أمية، حدثنا الخضر بن محمد بن شجاع، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن سليمان بن عريب قال: سمعت أبا هريرة يقول: لابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "رؤيا العبد الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة". فقال ابن عباس: "من خمسين".





فجعل بين محمد بن إسحاق وبين الأعرج: أبا الزناد.





وبإسناد الطحاوي أخرجه أبو يعلى[167] عن عمرو بن محمد الناقد، حدثنا الخضر بن محمد به، ولفظه: قال سليمان بن عريب: سمعت أبا هريرة يقول لابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رؤيا المسلم جزء من أربعين جزءاً من النبوة).





قال ابن عباس: "من ستين".





فقال أبو هريرة: تسمعني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: من ستين؟





فقال ابن عباس[168]: وأنا أقول: قال العباس بن عبدالمطلب.





قال عمرو الناقد: قلت أنا وأصحابنا: فهو عندنا إن شاء الله: العباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم .



قلت: طريق سليمان بن عريب ضعيفة معلومة مضطربة، وذلك ما يأتي:


1 - هذه الطريقة مدارها على (محمد بن إسحاق) وهو مدلس[169]، وروايته عند الجميع بالعنعنة.


2 - تفردت هذه الطريق بزيادة ليست موجودة في الطرق الأخرى.


3 - اختلف فيها على (محمد بن إسحاق).





فرواها أبو مالك الجنبي وأحمد بن خالد الوهبي، عنه عن الأعرج.





ورواها محمد بن سلمة، عنه، عن أبي الزناد، عن الأعرج.





4 - حصل اضطراب في متنها، فرواها البزار والطبراني والطحاوي وابن عبدالبر بلفظ: "من ستة وأربعين" عن أبي هريرة، ولفظ: "من خمسين" عن العباس، ورواها أبو يعلى بلفظ: "من أربعين" عن أبي هريرة، ولفظك "من ستين" عن العباس.





وواحدة مما تقدم كافية لرد هذه الرواية المخالفة للروايات الصحيحة المتقدمة.





وعزا ابن حجر[170]هذه الرواية أيضاً: لأحمد، والطبري في "تهذيب الآثار"، ولم أجدها في الأجزاء المطبوعة من "تهذيب الآثار"، ولا في "مسند أحمد"، والله أعلم.



4 - حديث أبي سعيد: أخرجه البخاري[171]عن إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).





وخولف إبراهيم بن خمزة عن الدراوردي خاصة:


قال أبو يعلى[172] حدثنا زهير، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي الحسن المدني، حدثنا عبد العزيز بن محمد - الدراوردي - ، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة)، بدل: "من ستة وأربعين".





وهذه الرواية ساقطة، فيها (محمد بن الحسن بن أبي الحسن)، قال محقق "مسند أبي يعلى" الأستاذ حسين سليم أسد [173] "لم أعرفه، ولكن تابعه عليه إبراهيم بن حمزة عند البخاري" فجعل المخالفة متابعة!، ومحمد بن الحسن هذا هو: (ابن زبالة[174]) قال ابن حجر[175]: "كذبوه" وبهذا يحكم على مخالفته بالنكارة.



5 - حديث عوف بن مالك: روي من طريق العلاء بن منصور، وهشام ابن عمار، ومحمد بن المبارك الصوري، والحكم بين موسى السمسار، وأبي مسهر الغساني، ويحي بن حسان.





جميعهم عن يحيى بن حموة، عن يزيد بن عبيدة، عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم، عن عوف بن مالك، مرفوعاً.





طريق العلاء بن منصور: أخرجها ابن أبي شيبة[176] عنه، ولفظه: "الرؤيا على ثلاثة، منها: تخويف من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها: الأمر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنها: جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة".





طريق هشام بن عمار: علقها البخاري[177] فقال: قال هشام بن عمار.




وأخرجها ابن ماجة[178] عن هشام، موصولة.





وأخرجها الطبراني[179] عن محمد بن أبي زرعة، وكذلك[180] عن أحمد بن المعلى.





وابن عبدالبر[181] عن خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الحلبي القاضي، حدثنا محمد بن جعفر بن يحيى بن رزين بمحص.





قال ثلاثتهم: حدثنا هشام بن عمار[182]





ومن طريق الطبراني في "المعجم الكبير": أخرجها المزي[183]





طريق محمد بن المبارك الصوري: أخرجها الطبراني[184]عن أبي زرعة عبد الرحمن ابن عمرو الدمشقي[185] عنه.





طريق الحكم بن موسى السمسار: أخرجها الطبراني[186]عن إدريس بن عبد الكريم الحداد.





وابن حبان[187]عن أبي يعلى.





وابن عساكر[188]من طريق محمد بن أبان بن السراج، وأبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وأبي يعلى.





والمزي[189]من طريق البغوي.





قال جميعهم: حدثنا الحكم بن موسى.





طريق أبي مسهر الغساني: أخرجها الطبراني[190]عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي. والطحاوي[191]عن ابن أبي داود.





كلاهما قال: حدثنا أبو مسهر.





طريق يحيى بن حسان: أخرجها البزار[192] عن محمد بن مسكين، عنه.





قال البوصيري[193] عقب رواية ابن ماجة: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".





وحسن إسناده ابن حجر[194] أيضاً.





وقال الهيثمي[195]: "رواه البزار، وفيه: يزيد بن أبي يزيد مولى بسر بن أرطاة، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح" انتهى.





وفيه وهم، فـ (يزيد) المذكور في سند الحديث هو: (يزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر السكوني الدمشقي) أخرج له أبو داود في (المراسيل) حديثاً[196]، وأخرج له ابن ماجه هذا الحديث، وقال عنه الذهبي[197]: "ثقة"، وابن حجر[198]: "صدوق".





فلا ينزل إسناد هذا الحديث به عن درجة الحسن، وأما متنه فصحيح للشواهد المتقدمة.





و(يزيزد بن أبي يزيد مولى بسر بن أرطاة) الذي ذكره الهيثمي، رجل آخر، معدود في شيوخ (يزيد بن عبيدة) راوي هذا الحديث[199].





ثم إن الحديث ليس من الزوائد، فقد أخرجه ابن ماجه - كما تقدم - ، فذكر الهيثمي له في "مجمع الزوائد" وهم أيضاً، والله أعلم.



6 - حديث أبي رزين العقيلي: رواه عنه وكيع بن عدس، وعنه يعلى بن عطاء، ورواه عن يعلى: شعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وهشيم بن بشير، واختلف على كل منهم على ثلاثة أوجه، وهذا بيان الاختلاف:


أولاً: شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين، روي على ثلاثة أوجه:


الأول: بلفظ "أربعين":


أخرجه أبو داود الطيالسي[200]قال: حدثنا شعبة.





ومن طريقه: الترمذي[201]والخطيب البغدادي[202]





وأخرجه ابن حبان[203]عن عمر بن محمد الهمداني، حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد بن الحارث.





والطبراني[204]قال: حدثنا عبيد بن غنام، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر. كلاهما عن شعبة.





وقال البخاري[205] قال لنا آدم، حدثنا شعبة.





الثاني: بلفظ "ستة وأربعين":


أخرجه الترمذي[206]عن الحسن بن علي الخلال، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة. الثالث: بلفظ "أربعين أو ستة وأربعين":


أخرجه أبو القاسم البغوي[207]: حدثنا علي (بن الجعد)، أخبرنا شعبة.





وقال أبو محمد البغوي[208]: أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي.





ومن طريقه: أخرجه الذهبي[209].





وقال الطبراني[210]: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة وهشيم، عن يعلى بن عطاء.





فأبو داود الطيالسي، وخالد بن الحارث، ومحمد بن جعفر (غندر)، وآدم بن أبي إياس، رووه جميعاً عن شعبة بلفظ "أربعين". ويزيد بن هارون رواه عنه بلفظ "ستة وأربعين". وعلى بن الجعد رواه عنه بلفظ: "أربعين أو ستة وأربعين"، وكل هؤلاء أئمة ثقات، لكن يترجح اللفظ الأول؛ لأن رواته الأكثر عدداً فهو المحفوظ، واللفظ الثاني شاذ، واللفظ الثالث لم يحفظه راوية فراوه بالشك.





ثانياً: حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين، روي على ثلاثة أوجه أيضاً.


الأول: بلفظ "أربعين":


أخرجه ابن عبدالبر[211] عن عبدالله [بن محمد بن أسد]، حدثنا بكر [محمد بن العلاء]، حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا عفان، حدثنا حماد، به.





وعلقه البخاري[212]فقال: قال حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة.





الوجه الثاني: بلفظ "ستة وأربعين":


أخرجه الطبراني[213]عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا حماد بن سلمة.





الوجه الثالث: بلفظ "سبعين":


أخرجه ابن حبان[214]عن أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا حماد بن سلمة.





قلت: روى عفان وحجاج عن حماد لفظ "أربعين" وهما ثقتان، واختلف على إبراهيم بن الحجاج عن حماد، فرواه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل بلفظ "ستة وأربعين"، ورواه عنه أحمد بن علي بن المثنى بلفظ "سبعين"، وهذا الاختلاف يقدح في الرواية، وبخاصة أن (إبراهيم بن الحجاج) قال عنه ابن حجر[215] "ثقة يهم قليلاً"، فإن سُلِّم له هذا الحكم، فلعل هذا مما وهم فيه، وتظل الرواية الأولى هي المحفوظة من طريق حماد، والله أعلم.





ثالثاً: هُشيم بن بَشير، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين، روي على ثلاثة أوجه كذلك:


الأول: بلفظ "أربعين":
علقه البخاري[216] بقوله: قال أحمد بن أسد، حدثنا هُشيم، به.





الوجه الثاني: بلفظ "ستة وأربعين": أخرجه ابن أبي شيبة[217] وأحمد[218] عن هشيم.





وأخرجه من طريق ابن أبي شيبة: ابن ماجه[219] والطبراني[220].





وأخرجه ابن حبان[221] عن محمد بن عبدالله بن الجنيد، حدثنا قتيبة بن سعيد. والبغوي[222] من طريق يحيى بن يحيى.





وابن عساكر[223] من طريق زياد بن أيوب.





قال الأول والثالث: حدثنا، وقال الثاني: أخبرنا هشيم.





الوجه الثالث: بلفظ " أربعين أو ستة وأربعين":


أخرجه الطبراني[224] قال:حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة وهشيم.





قلت: رواية "أربعين" من طريق أحمد بن أسد، ورواية "أربعين أو ستة وأربعين" من طريق علي بن الجعد، ورواية "ستة وأربعين" من طريق ابن أبي شيبة، وأحمد، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن يحيى، وزياد بن أيوب، فلفظ هؤلاء هو المحفوظ من طريق هشيم، واللفظان الآخران شاذان، والله أعلم.





فترجح من طريق شعبة وحماد لفظ "اربعين"، ومن طريق هشيم لفظ "ستة وأربعين"، والثلاثة أئمة ثقات، وهشيم وإن كان كثير التدليس إلا أنه صرح بالسماع





عند أحمد وابن حبان، بيد أن سماعه من يعلى بن عطاء في الصغر، قال الدوري[225] "سمعت يحيى يقول: قد سمع هشيم من يعلى بن عطاء وكان صغيراً جداً".





قلت: فلعل مخالفته لشعبه وحماد بسبب ذلك، ومع هذا لا تطرح رواية "من ستة وأربعين" للشواهد الكثيرة المتقدمة التي تعضدها وتقويها.





ثم إن مدار الحديث على (وكيع بن عدس): لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء، وقال ابن قتيبة والذهبي[226] لا يعرف.





وذكره ابن حبان في "الثقات[227].




وقال ابن حجر[228] "مقبول".




وقال الترمذي[229]عن حديثه: "حسن صحيح".




وقال الحاكم[230] "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي.




وفيه تساهل؛ إذ لا يحكم على إسناد فيه (وكيع) - وحاله كما تقدم - بالصحة، نعم حديثه كشاهد لا بأس به، وقد حسَّن سنده الحافظ ابن حجر[231]





7 - حديث عبد الله بن عباس: رواه عنه عكرمة، واختلف عليه:


فرواه عمر بن سعيد بن أبي حسين عنه بلفظ: "ستة وأربعين".





أخرجه أبو يعلى[232] عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي قال: حدثني أبي، حدثنا ابن جريج، عن عمر ابن أبي حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الرؤيا الصالحة جزء - أحسبه قال - من ستة وأربعين جزءاً من النبوة".



وأخرجه الطبراني[233] عن محمد بن الحسين بن مكرم، حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي[234] به، ولفظه: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).



ورواه سماك بن حرب عنه عكرمة بلفظ "سبعين".



أخرجه أحمد[235] عن يحيى بن آدم وخلف بن الوليد.



وقال أبو يعلى[236]: حدثنا زهير، حدثنا حسين بن محمد.



وقال الطحاوي[237]: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أسد بن موسى.



وقال الطبراني[238]: حدثنا بشر بن موسى، حدثنا خلف بن الوليد.



وقال ابن عبدالبر[239]: حدثنا سعيد بن نصر وعبدالوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر، حدثنا أسود بن عامر.



قال جميعهم: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة)، وعند ابن عبد البر: "رؤيا المسلم...".



قال الهيثمي[240]في كل منهما: "رجاله رجال الصحيح".




قلت: رواية "ستة وأربعين" رواها (عمر بن سعيد بن أبي حسين) وهو متفق على توثيقه[241] ورواية "سبعين" رواها (سماك بن حرب) وقد ضعفه جماعة، وقواه آخرون، وقدح غير واحد في روايته عن عكرمة خاصة - وحديثه هذا عن عكرمة - فقال ابن المديني: "روايته عن عكرمة مضطربة"، وقال يعقوب بن شيبة "هو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين[242]






وقال ابن حجر[243] "صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة، فكان ربما تلقن"، ومع هذا فقد جود نفسه هذا الإسناد[244].




وهو غير مسلم، فالرواية شاذة، والرواية الأولى هي المحفوظة على ضعف في سندها أيضاً، ففيها (ابن جريج) وهو (عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج) قال ابن حجر[245] "ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل" انتهى، وقد عنعن عند أبي يعلى والطبراني، لكن شواهد الباب تعضد الحديث وتقويه




8 - مرسل عطاء: أخرجه مالك

[246] عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لن يبقى بعدي من النبوة إلى المبشرات)، فقالوا وما المبشرات يا رسول الله؟



قال: (الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).



هذا حديث مرسل، سنده صحيح، وتشهد له الأحاديث المتقدمة.



الرواية الثانية: رواية السبعين


وردت من حديث عبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وابن عباس، وأبي رزين.





9 - حديث عبدالله بن عمر: روي عن طريق عبيد الله بن عمر العمري، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، والضحاك بن عثمان، وعبدالله بن عامر الأسلمي، والليث بن سعد، والمعلى بن إسماعيل، وعبدالعزيز بن أبي رواد، جميعهم عن نافع، عن ابن عمر.




طريق عبيد الله بن عمر: أخرجها ابن أبي شيبة[247] عن عبدالله بن نمير وأبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، به. ولفظه: (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة).



وأخرجها أحمد[248] عن يحيى.



وأخرجها أيضاً[249] عن سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا سعيد بن عبدالرحمن.



وقال مسلم[250] حدثناه ابن المثنى وعبيد الله بن سعيد، قالا: حدثنا يحيى.



وقال مسلم[251]أيضاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة. (ح) وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي.



وأخرجها النسائي[252]عن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بشر.



وابن ماجة[253]عن علي بن محمد، حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير.



والطحاوي[254]عن محمد بن عمرو بن يونس، عن عبد الله بن نمير.



والبيهقي[255]عن أبي عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا ابن نمير، عن أبيه عبد الله بن نمير.


وابن عبد البر[256]عن سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة.




خمستهم عن عبيد الله بن عمرو.


طريق شعيب: أخرجها أحمد[257]عن أبي اليمان، أخبرني شعيب.




طريق الضحاك: أخرجها مسلم[258]عن ابن رافع، حدثنا ابن أبي فديك، أخبرنا الضحاك. طريق عبدالله بن عامر: أخرجها ابن عدي[259] عن القاسم بن مهدي، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا ابن أبي حازم، عن عبدالله بن عامر الأسلمي.



وعزاه الهيثمي[260] إلى الطبراني في "الأوسط" ولم أجده فيه! والحديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن - كما تقدم - فإدخاله في الزوائد وهم، إلا أن يقال: يدخل فيها للزيادة التي اشتملت عليها رواية أحمد، والله أعلم.



طريق الليث: أخرجها أحمد[261] قال: حدثنا هاشم. ومسلم[262] قال: وحدثناه قتيبة وابن رمح. ثلاثتهم عن الليث بن سعد.



طريق المعلى: أخرجها الطبراني[263] قال: حدثنا واثلة بن الحسن، حدثنا كثير ابن عبيد. (ح) وحدثنا يحيى بن عبدالباقي المصيصي، حدثنا يحيى بن عثمان الحمصي. قالا: حدثنا شريح بن يزيد، حدثنا أرطاة بن المنذر، عن المعلى بن إسماعيل.



قلت: هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وغيره من طريق عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما.



وقال ابن عبدالبر[264]: "هذا حديث صحيح الإسناد، لا يختلف في صحته".



طريق عبدالعزيز بن أبي رواد: يرويها عنه محمد بن عبدالله بن الزبير أبو أحمد الزبيري، وعنه أحمد بن حنبل[265].



وخالف أحمد بن الوليد أبو بكر الفحام، فروى الحديث عن الزبيري بالإسناد المذكور، بلفظ: "خمسة وعشرين"، أخرجه الخطيب[266]عن علي وعبد الملك ابني محمد ابن عبد الله ابن بشران، قالا: أخبرنا حمزة بن محمد بن العباس، حدثنا أحمد بن الوليد حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : "الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة".




و (أحمد بن الوليد) قال عنه الخطيب[267] "كان ثقة"، إلا أن مخالفته لسبعة طرق - بعضها في مسلم - جاء الحديث فيها بلفظ "سبعين"، يعد شذوذاً، ولم يتنبه الشيخ الألباني لهذا، فقال[268] "هذا إسناد جيد"!، والحق أن الرواية شاذة ضعيفة.





10 - عبد الله بن مسعود: روي مرفوعاً وموقوفاً:


أما المرفوع: فقد روي من طريق الربيع والد الركين، وعمرو ابن عبد الله الأصم، وعمرو بن ميمون، ثلاثتهم عن ابن مسعود، مرفوعاً.




طريق الركين بن الرَّبيع، عن أبيه: رواها عنه مسعر بن كدام، وعنه الفضل بن موسى السيناني، ورواها عن الفضل ثلاثة اختلفوا فيها على ثلاثة أوجه، وهذا بيان الاختلاف:



أولاً: محمد بن يحيى بن مالك الضبي الأصبهاني، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، بلفظ: "سبعين".



أخرجه الطبراني[269] قال: حدثنا محمد بن يحيى بن مالك الضبي الأصبهاني، حدثنا محمد بن عبدالعزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى السيناني، حدثنا مسعر بن كدام، عن الركين بن الربيع، عن أبيه عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة).




وقال أبونعيم[270]: حدثنا سليمان بن أحمد - يعني: الطبراني - وأبو محمد بن حيان، قالا: حدثنا محمد بن يحيى بن مالك الضبي، به.




قال الهيثمي[271]: "رجاله رجال الصحيح".




ثانياً: محمد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي، عن محمد بن عبدالله بن أبي رزمة، بلفظ: "أربعين".



أخرجه الشاشي[272] عن محمد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي، حدثنا محمد بن عبدالعزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى، عن مسعر، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الرؤيا الصالحة جزء من أربعين جزءاً من النبوة).



ثالثاً: علي بن سعد الرازي، عن محمد بن عبدالعزيز بن أبي رزمة، بلفظ: "ستة وسبعين".



أخرجه الطبراني[273] عن علي بن سعيد الرازي، حدثنا محمد بن عبدالعزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى، عن مسعر بن كدام، عن الركين، عن أبيه، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (الرؤيا الصادقة [الصالحة] جزء من ستة وسبعين جزءاً من النبوة).




قلت: أما (علي بن سعيد الرازي) فقد قال عنه الدارقطني: "ليس بذاك، تفرد بأشياء[274]




وقال ابن حجر[275]عن روايته هذه: "سندها ضعيف".



وأما (محمد بن سليمان الحضرمي) المعروف بمطيَّن، فثقة إمام.



وكذلك (محمد بن يحيى بن مالك الضبي)، فقد قالوا في[276] "شيخ ثقة صاحب كتاب". فروايتاهما متكافئتان من حيث القوة، لكن تترجح رواية "سبعين" بشهرتها وكثرة من رواها وأخرجها، وهي في "صحيح مسلم" من حديث ابن عمر، ورواية "أربعين" لم تصل إلى تلك الدرجة.



وبناء على ما تقدم، فرواية "ستة وسبعين" ضعيفة منكرة، ورواية "أربعين" شاذة، والمحفوظة هي رواية "سبعين"، والله أعلم.



طريق عمرو بن عبد الله الأصم: أخرجها الطحاوي[277]قال: حدثنا أبو أمية. والشاشي[278]قال: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد.



والطبراني[279]قال: حدثنا محمد بن العباس المؤدب.



قال ثلاثتهم: حدثنا عبيد بن إسحاق العطار، حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عمرو الأصم.



طريق عمرو بن ميمون: أخرجها البزار[280] قال: حدثنا محمد بن عبدالرحمن، حدثنا عبيد بن إسحاق العطار، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون.



وأما الموقوف: فقد روي من طريق زاهر الأسلمي عن أبيه، وعمرو بن عاصم، وعمرو بن ميمون، ثلاثتهم عن ابن مسعود، موقوفاً.



طريق زاهر الأسلمي، عن أبيه: أخرجها ابن أبي شيبة[281] قال: حدثنا محمد ابن بشار، حدثنا مسعر، حدثني أبو حصين، عن زاهر، عن أبيه.



قلت: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.



طريق عمرو بن عاصم: أخرجها عبدالرزاق[282] قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن عاصم.



ومن طريقة: الخطيب البغدادي[283].



طريق عمرو بن ميمون: أخرجها الطبراني[284] قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون.



قلت: صح سند الطبراني من طريق الركين بن الربيع عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعاً، وصح سند ابن أبي شيبة من طريق أبي حصين، عن زاهر، عن أبيه، عن ابن مسعود، موقوفاً.



وإذا ورد الحديث عن الصحابي من وجه مرفوعاً، ومن وجه موقوفاً، وكانا في الدرجة سواء، فالحكم لمن رفعه، ثم إن الموقوف في هذا الباب له حكم الرفع أصلاً؛ إذ لا مجال للرأي فيه، والله أعلم.



أما باقي طرق الحديث فضعيفة مضطربة، وإليك بيان هذا:



فقد أخرجه الطحاوي والشاشي والطبراني من طريق عبيد بن إسحاق، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عمرو ابن عبد الله الأصم، عن ابن مسعود، مرفوعاً.



وأخرجه البزار من الطريق المذكور، وفيه: عمرو بن ميمون، بدل: عمرو ابن عبد الله الأصم.



وأخرجه عبد الرازق - ومن طريقه الخطيب - وفيه: عمرو بن عاصم.



وأخرجه الطبراني، وعنده: عمرو بن ميمون، والأخيران وقفاه.



ولعل هذا الاختلاف بسبب اختلاط أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، فقد قال عنه ابن حجر[285] "ثقة مكثر عابد... اختلط بآخره"، والراوي عنه في الطريق المرفوعة: (زهير بن معاوية) نقل الذهبي[286]عن أحمد: "في حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بآخره".



وقال أبو زرعة[287] "ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط".



وقال الذهبي[288] "لين روايته عن أبي إسحاق من قِبَل أبي إسحاق، لا من قبله".



ثم إن في سنده في الراوية أيضاً (عبيد بن إسحاق العطار):



قال الذهبي[289]: "ضعفه يحيى، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال الأزدي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وأما أبو حاتم فرضيه، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر".



وقال الهيثمي[290]: "عبيد بن إسحاق متروك، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح".



وقال أيضاً[291]: "عبيد بن إسحاق العطار متروك، ورضيه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يغرب".



وأما ما يتعلق بالرواية الموقوفة - إضافة إلى الاختلاف المتقدم بين عمرو بن ميمون وعمرو بن عاصم - فقد أخرجها الطبراني عن شيخه (عبدالله بن محمد ابن سعيد بن أبي مريم، عن الفريابي).




قال ابن عدي[292]: "عبدالله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم مصري يحدث عن الفريابي وغيره بالبواطيل".





وقال الهيثمي[293]: "رواه الطبراني عن شيخه عبدالله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو ضعيف".







11 - حديث أبي هريرة: روي مرفوعاً وموقوفاً، والمرفوع له طريقان:


الأولى: عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة.




أخرجها أحمد[294] عن محمد بن فضيل، حدثنا عاصم بن كليب به، ولفظه: "... إن رؤيا العبد المؤمن الصادقة الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة".



وأخرجها أحمد[295]أيضاً عن عفان، حدثنا عبد الواحد - يعني ابن زياد - قال: حدثنا عاصم، به.



الثانية: ابن إدريس، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة.



أخرجها ابن حبان[296]عن أحمد بن حمدان بن موسى التستري بعبدان، حدثنا علي بن سعيد المسروقي، حدثنا ابن إدريس به، ولفظه: (الرؤيا جزء من سبعين جزءاً من النبوة).



وأما الموقوف: فقد أخرجه ابن أبي شيبة[297]قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.



قلت: هذه أسانيد صحيحة.



وقول الهيثمي[298]في حديث أحمد المرفوع: "فيه (كليب بن شهاب) وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر"، لعله عني بهذا قول أبي داود[299] "عاصم بن كليب عن أبيه عن جده ليس بشيء"، وهذا غير مسلَّم.




فقد وثق (كليب بن شهاب): أبو زرعة[300] وابن حبان[301]





وقال ابن سعد[302] "كان ثقة... ورأيتهم يستحسنون حديثة ويحتجون به".




وبناء على هذا، فالرجل ثقة، وقول ابن حجر[303] عنه بأنه (صدوق) أدنى من حاله، والله أعلم.




وأما طريق ابن حبان: ففيها جد (ابن إدريس) وهو: (يزيد بن عبدالرحمن ابن الأسود الأودي) قال ابن حجر[304]: "مقبول"!.



وهذا غير مسلم أيضاً، فالرجل ليس فيه جرح، وقد وثقه العجلي[305]، وذكره ابن حبان في "الثقات"[306]، وصحح له الترمذي[307] حديثاً، فقال: "هذا حديث صحيح غريب"، فكيف يكون أقل من ثقة؟



وباقي رجال السند ثقات، وبذلك يكون الحديث صحيحاً من طريقيه.




وأما الموقوف: فقد أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، رجاله ثقات، وهذا مما لا مجال للرأي فيه، فحكمه الرفع أيضاً، والله أعلم.





12 - حديث أنس بن مالك: أخرجه الطبراني[308] عن محمد بن الحسين الأشناني، حدثنا عباد بن أحمد العرزمي، حدثنا عمي، عن أبيه، عن عروة بن عبدالله بن كثير، عن محمد بن سيرين، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رؤيا المؤمن جزء واحد من سبعين جزءاً من أجزاء النبوة).




قال الهيثمي[309]: "فيه: محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف".



قلت: (محمد) هذا جدُّ (عباد العرزمي) المصرح باسمه في السند، قال فيه ابن حجر[310] (متروك).



أما عمُّه فهو: (عبد الرحمن) قال الذهبي[311] (ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي).



و(عباد) نفسه ليس بأحسن حالاً من عمه وجدِّه، قال عنه الدارقطني[312] (متروك).




وبناء على هذا، فالإسناد ضعيف جداً، والثابت من حديث أنس رواية "ستة وأربعين" وقد تقدمت من عدة طرق صحيحة[313]





13 - حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه ابن أبي شيبة


[314]عند عبيد الله بن موسى، عن شيبان[315] عن فراس، عن عطية[316] عن أبي سعيد، أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (رؤيا الرجل المسلم الصالح جزء من سبعين جزءاً من النبوة).




وأخرجه ابن ماجة[317]عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى.



وأخرجه أبو يعلى[318]عن زهير.



والطحاوي[319] عن أبي أمية.



قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى.



قلت: هذا إسناد ضعيف، مداره على (عطية بن سعد العوفي) وقد ضعفه جماعة[320].



وقال ابن حبان[321]: "لا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه على على جهة التعجب".



وقال أيضاً[322]: "سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث، فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي، ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد، ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد به الكلبي".



وقال البوصيري[323]: "هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عطية العوفي".



وقال الألباني[324]: صحيح، وأحال إلى كتابه "الروض النضير" وهو غير مطبوع، ويعد من أوائل كتبه في التخريج، وكان يريد إعادة النظر فيه[325].



- ووردت رواية "سبعين" من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعاً. وهي رواية ضعيفة شاذة، تقدم الكلام عنها في الحديث السابع[326]



- ووردت رواية "سبعين" أيضاً من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلي بن عطاء، عن وكيع بن حدس[327] عن عمه أبي رزين العقيلي، مرفوعاً.



وهي رواية شاذة، سبق الكلام عنها في الحديث السادس[328]



الرواية الثالثة: رواية الخمسة والأربعين



وردت من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد.




14 - حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم[329]عن محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (... ورؤيا المسلم جزء من خمس[330]وأربعين جزءاً من النبوة...) الحديث.



وأخرجه ابن حبان[331] عن أبي خليفة، حدثنا إبراهم ين بشار الرمادي، حدثنا سفيان، عن أيوب، به.



قلت: هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم في صحيحه.



- ووردت رواية "خمسة وأربعين" من حديث أبي سعيد، عند أبي يعلى[332]، وهي رواية منكرة، تقدم الكلام عنها في الحديث الرابع[333].



الرواية الرابعة: رواية الأربعين



- وردت هذه الرواية عن طريق شعبة وحماد وهشيم، ثلاثتهم عن يعلى بن عطاء، وعن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي، مرفوعاً.



وإسنادها حسن، ونقدم الكلام عنها في الحديث السادس[334]



- ووردت رواية "أربعين" أيضاً من طريقين ضعيفين عن أبي هريرة:



الطريق الأولى: أخرجها البزار[335]عن محمد بن مرداس، حدثنا أبو خلف، عن يونس، عن محمد، عن أبي هريرة، مرفوعاً.



وهذه رواية منكرة.



الطريق الثانية: أخرجها أبو يعلى[336] عن عمرو بن محمد الناقد، حدثنا الخضر بن محمد الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن سليمان بن عريب قال: سمعت أبا هريرة... الحديث.



وهذه رواية ضعيفة مضطربة، وتقدم الكلام عن الطريقين في الحديث الثالث



- ووردت رواية "أربعين" من حديث عبد الله بن مسعود أيضاً:



أخرجها الشاشي[338]عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى، عن مسعر، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً.




وهذه رواية شاذة، تقدم الكلام عنها في الحديث العاشر[339]




الرواية الخامسة: الرواية المطلقة



وردت من حديث أنس بن مالك، وجابر بن عبدالله، وسمرة بن جندب.





15 - حديث أنس: أخرجه ابن أبي شيبة

[340] عن عبدالله بن إدريس.



وأخرجه أحمد[341] عن عفان، حدثنا عبدالواحد بن زياد.



قالا: حدثنا المختار بن فلفل، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي). قال: فشق ذلك على الناس.



قال: قال: (ولكن المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟



قال: (رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة).



هذا لفظ أحمد، وهو عند ابن أبي شيبة مختصر.



وأخرجه الترمذي[342] قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، حدثنا عفان به.



وعاه السيوطي[343] لابن مردوية أيضاً.



قلت: هذا الحديث مداره على (المختار بن فلفل) وقد وثقه كثيرون، منهم: الإمام أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، والنسائي[344].



وذكره ابن حبان في (الثقات)[345] وقال: (يخطئ كثيراً).



وكأن الحافظ ابن حجر لم يلتفت إلى توثيق من تقدم، واعتمد كلام ابن حبان



خاصة، فقال عنه في "التقريب[346] (صدوق له أوهام)!.



وهذا غير مسلًّم[347] فقد صرح خمسة من الأئمة بتوثيقه، فهو ثقة، كما أنه من رجال مسلم، وأخرج الترمذي حديثه هذا، ثم قال[348] "حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه من حديث المختار بن فلفل".



وأخرجه الحاكم[349]من هذا الوجه أيضاً، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.





16 - حديث جابر: أخرجه أحمد

[350]قال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الزبير، أخبرني جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة).



قلت: إسناده ضعيف؛ لأجل (ابن لهيعة) الذي اختلط بعد احتراق كتبه




وقال الهيثمي[352] "فيه: ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف".




قلت: الهيثمي معروف بتساهله، وتحسينه لحديث ابن لهيعة فيه نظر، فقد قال الذهبي[353] "العمل على تضعيف حديثه".





17 - حديث سمرة: أخرجه البزار.





[354]عن خالد بن يوسف، حدثني أبي - يوسف بن خالد.




وأخرجه الطبراني[355] عن موسى بن هارون، حدثنا مروان بن جعفر السمري، حدثنا محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة.



قالا: حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة، حدثنا خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لنا: "إن أبا بكر يتأول الرؤيا، والرؤيا الصالحة حظ من النبوة" هذا لفظ البزار، وعند الطبراني: ".. تأول الرؤيا، وإن الرؤيا" والباقي سواء.



قلت: إسناده ضعيف، فيه: (سليمان بن سمرة)، و(خبيب)، و(جعفر) هؤلاء الثلاثة لم يوثقهم سوى ابن حبان[356]، وذكر الذهبي[357] في ترجمة (جعفر) حديثاً بالسند المذكور ثم قال: "هذا إسناد مظلم، لا ينهض بحكم".



يضاف إلى هذا أن في سند الزار: (خالد بن يوسف) وأبوه، قال الذهبي[358]: "أما ابوه فهالك، وأما هو فعضيف".



وقال الهيثمي[359]: "إسناد البزار ساقط".



وقال[360] أيضاً: "في إسناد الطبراني من لم أعرفه".



قلت: في إسناد الطبراني أيضاً (مروان بن جعفر السمري، حدثنا محمد بن إبراهيم ابن خبيب) قال أبو حاتم في (مروان السمري): "صدوق صالح الحديث"[361].



لكن نقل ابن حجر[362]عن أبي الفتح الأزدي قوله فيه: "يتكلمون فيه"، ثم قال: "له نسخة عن قراءة محمد بن إبراهيم، فيها ما ينكر، رواها الطبراني" وأورد له أحاديث بالسند المذكور.





المطلب الثاني: الروايات الضعيفة




الروايات السادسة: رواية أربعين أو ستة وأربعين




وردت هذه الرواية من طريق شعبة وهشيم، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي، مرفوعاً.



وهي رواية شاذة، تقدم الكلام عنها في الحديث السادس[363]



الرواية السابعة: رواية خمسة وعشرين



وردت هذه الرواية عند الخطيب[364]من طريق أحمد بن الوليد، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة).



وهي رواية شاذة، تقدم الكلام عنها في الحديث التاسع[365]



وعزاها السيوطي[366]لابن النجار.



وذكرها ابن أبي جمرة[367]، ونقلها عنه ابن حجر[368] ولم يخرجاها.



الرواية الثامنة: رواية ستة وعشرين



وردت عند ابن عبدالبر[369] من طريق الحسن بن المثنى بن دجانة، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبدالعزيز بن المختار، حدثنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (.... ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءاً من النبوة).



وهذه رواية شاذة، سبق الكلام عنها في الحديث الأول[370].



كما ذكر النووي[371] رواية "ستة وعشرين" من حديث ابن عمر، ولم يذكر من أخرجها؟.



قال ابن حجر[372]: "إلا أن بعضهم نسب رواية بن عمر هذه لتخريج الطبري".




الرواية التاسعة: رواية تسعة وأربعين





18 - حديث عبدالله بن عمرو: أخرجه أحمد


[373] عن حسن - الأشيب - حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن عبدالرحمن بن جبير، عن عبدالله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾[374]قال: (الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن هي جزء من تسعة وأربعين جزءاً من النبوة...) الحديث.




وعزاه السيوطي[375]أيضاً لابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي.



قال الهيثمي[376] "رواه أحمد من طريق ابن لهيعة عن دراج، وحديثهما حسن وفيهما ضعف، وبقية رجاله ثقات".



قلت: السند ضعيف من جهة (ابن لهيعة) خاصة، انظر ما تقدم عند حديث رقم (16).



أما (دراج): فقد قال عنه ابن حجر[377] "صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف" انتهى.



قلت: وليست الرواية هنا من هذا الوجه.



الرواية العاشرة: رواية خمسين



وردت عند البزار[378]والطبراني[379]وابن عبد البر[380]من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن سليمان بن عريب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رؤيا الرجل الصالح بشرى من الله، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة".



قال - أي: سليمان بن عريب - : فحدثت به ابن عباس، فقال: قال العباس بن عبدالمطلب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هي جزء من خمسين جزءاً من النبوة).



وهي عند الطحاوي[381] مختصرة من طريق ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج.



وهذه رواية ضعيفة معلولة، تقدم الكلام عنها آخر الحديث الثالث[382].



الرواية الحادية عشرة: رواية ستين



وردت عند أبي يعلى[383] من طريق ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن سليمان بن عريب، قال: سمعت أبا هريرة يقول لابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رؤيا المسلم جزء من أربعين جزءاً من النبوة).



قال ابن عباس: (من ستين).



فقال أبو هريرة: تسمعني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: من ستين؟



فقال ابن عباس[384]: وأنا أقول: قال العباس بن عبدالمطلب.



قال عمرو الناقد: قلت أنا وأصحابنا: فهو عندنا إن شاء الله: العباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم.



وهذه رواية ضعيفة معلولة كسابقتها، سبق الكلام عنها آخر الحديث الثالث أيضاً[385]



الرواية الثانية عشرة: رواية ستة وسبعين



وردت عن حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:



أخرجها الطبراني[386]عن علي بن سعيد الرازي، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى، عن مسعر بن كدام، عن الركين، عن أبيه، عن أبن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (الرؤيا الصادقة [الصالحة] جزء من ستة وسبعين جزءاً من النبوة).



وهذه رواية ضعيفة منكرة، تقدم الكلام عنها في الحديث العاشر[387]



تلك هي الروايات المسندة التي وقفت عليها في الباب، واستكمالاً للفائدة رأيت إلحاق الروايات التي ذكرها شراح الحديث وغيرهم في مصنفاتهم دون إسناد أو تخريج، وهي:



رواية سبعة وعشرين، واثنين وأربعين، واثنين وسبعين.



وهذه الروايات الثلاث ذكرها ابن أبي جمرة[388]دون تخريج، ونقلها عنه ابن حجر[389]كذلك، ولم أقف عليها في مصدر آخر.



الرواية السادسة عشرة: رواية أربعة وأربعين.



عزاها ابن حجر[390] للطبري، من حديث عبادة، ولم أقف عليها.



الرواية السابعة عشرة: رواية سبعة وأربعين.



ذكرها القرطبي[391] من حديث عبدالله بن عمرو ابن العاص دون تخريج، ولم أقف عليها.




تنبيهان:

الأول: قال الطبري[392]: "الصواب أن يقال: إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل منها مخرج معقول" انتهى.



وفيه تساهل من جهة التسوية بين أحاديث مختلفة، والحكم على جميعها بالصحة.



الثاني: قال ابن بطال[393]: "أصح ما في هذا الباب أحاديث الستة والأربعين جزءاً، ويتلوها في الصحة حديث السبعين جزءاً، ولم يذكر مسلم في كتابه غير هذين الحديثين.. وأما سائرها فهي من أحاديث الشيوخ" انتهى.





وهذا غير مسلم من وجهين:


الأول: حديث (خمسة وأربعين) أخرجه مسلم، وذهل الشيخ عنه، وتقدم برقم (14).




والثاني: رواية (40) من حديث أبي رزين رواية حسنة، تقدمت في الحديث السادس، وهي ليست في الصحيحين.





المطلب الثالث: حول تواتر هذا الحديث


قال ابن حجر[394] "إذا جمع - الخبر - هذه الشروط الأربعة، وهي: عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند إنتهائهم الحس. وانضاف إلى ذلك: أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، فهذا هو المتواتر".




وإذا نظرنا إلى الحديث الذي نحن بصدده، لنعلم مدى توفر هذه الشروط فيه وجدنا خبراً رواه عدد كثير من الصحابة، وتلقاه عنهم عدد كثير مثلهم أو أكثر منهم من التابعين، وهكذا من بعدهم طبقة بعد طبقة، حتى وصل إلى الأئمة المصنفين الذين رووه ودونوه في مصنفاتهم المختلفة.



وهو - أيضاً - خبر ينتهي إلى محسوس من مشاهدة وسماع، وليس خبراً عقلياً[395] هذا من حيث الجملة.



وأما من حيث التفصيل: فإن هذا الحديث رواه اثنا عشر صحابياً وهم: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن العباس، وأبو سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وعوف بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن مسعود، وعبد الله



ابن عمرو، وجابر بن عبدالله، وسمرة بن جندب، وأبو رزين العقيلي، بالإضافة إلى رواية عطاء بن يسار المرسلة، ولبعضهم أكثر من رواية كما تقدم، فكان مجموع الأحايدث التي رووها ثمانية عشر حديثاً.



من أجل ذلك أدخل العلماء الذين عنوا بجمع الأحاديث المتواترة هذا الحديث في مصنفاتهم.



كالسيوطي في "قطف الأزهار المتناثرة"[396]، والكتاني في "نظم المتناثر"[397]، وغيرهما.



كما نص على تواتره عدد من العلماء في مصنفاتهم، كالشيخ محمد عبدالرؤوف المناوي[398]، والشيخ محمد بن عبدالباقي الزرقاني[399]، وغيرهما.



وأنا متوقف في الحكم على هذا الحديث بالتواتر المطلق، وذلك لسببين:

الأول: اختلاف الروايات في ألفاظ الحديث.

الثاني: تفاوت الروايات في تحديد جزء النبوة.



ومع هذا التفاوت والاختلاف لا يصح بحال أن نطلق الحكم بتواتره.



ومن المعلوم أن الأخبار إذا اختلفت ألفاظها، وزاد بعضها على بعض، لكنها اتفقت جميعاً في المضمون، كانت من قبيل المتواتر المعنوي لا اللفظي.



وقد قسم أهل الاصطلاح[400]المتواتر إلى: لفظي، وهو: ما تواتر لفظه، ومعنوي، وهو: ما تواتر معناه، كهذا الحديث.



كما أن اختلاف الروايات في تحديد جزء النبوة يحد من تواتره، ويجعله قاصراً على القدر المشترك بينها، وهو: أن هذا النوع من الرؤى جزء من أجزاء النبوة، دون تحديد هذا الجزء بعدد واحد مما تقدم، هذا هو القدر المشترك بين الروايات، وهذا القدر هو الذي نحكم بتواتره فقط.



وبناء على هذا: لا يسوغ إطلاق الحكم بالتواتر على رواية بعينها من بين الروايات السابقة؛ إذ لم يتجاوز عدد الصحابة الذين رووا حديث (46) جزءاً، وحديث (70) جزءاً - وهما أكثر الروايات طرقاً - سبعة من الصحابة.




فإن كان عدد السبعة كافياً للتواتر، فالحكم بالتواتر يكون لهاتين الروايتين خاصة، وإلا، فالحكم للقدر الذي اشتركت فيه الروايات جميعها كما أسلفت، علماً بأن المختار في أقل عدد التواتر عشرة؛ لأنه أول جموع الكثرة[401]







ولم أجد ممن نص على تواتر هذا الحديث من نبه إلى هذا أو أشار إليه، فالحمد لله على توفيقه.







وهذه خلاصة المبحث الأول:


بلغ مجموعة الروايات الواردة في الباب سبع عشرة رواية، صح منها خمس روايات، وهي بالترتيب: (46، 70، 45، 40) إضافة إلى الرواية المطلقة، والروايات الباقية: (40أو 46، 25، 26، 49، 50، 60، 76) كلها ضعيفة، بالإضافة إلى خمس روايات أخرى لا اسانيد لها، وهي: (27، 42، 44، 47، 72).



ويمكن ترتيب الأحاديث المتقدمة باعتبار الأصحية على النحو التالي:

1 - حديث أنس (1)، وعبادة (2)، وأبي هريرة (3)، وذلك للأمور التالية: 1 - لاتفاق الشيخين على إخراجها.

2 - لتحصيح الأئمة لها.

3 - لكثيرة طرقها، فقد روي الأول من سبعة طرق، والثاني من أربعة طرق، والثالث من طريقين.



ثانيا: حديث أبي سعيد (4)؛ لإخراج البخاري له دون مسلم.



ثالثاً: حديث ابن عمر (9)؛ وحديث أبي هريرة (14) لانفراد مسلم بإخراجهما دون البخاري.



رابعاً: حديث عوف بن مالك (5)، وابن مسعود (10)، وأبي هريرة (11) فهذه الأحاديث رويت بأسانيد صحيحة رجالها ثقات، وقد نص الأئمة على صحة بعضها، وما عدا هذا فروايات ضعيفة، أو غير ثابتة.



ونظراً لاتفاق الأحاديث الواردة في الباب على أصل الموضوع دون الألفاظ، فقد توصلت إلى أن هذا الخبر متواتر تواتراً محدوداً بالقدر المشترك بين رواياته، وهو أن نوعاً من الرؤى جزء من أجزاء النبوة، دون تحديد ذلك الجزء بعدد معين.





المبحث الثاني:


شرح الحديث:


ويشمل المطالب التالية:


المطلب الأول: الصفات التي تشترط للرؤيا وصاحبها



اشتملت أحاديث الباب على صفات للرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، وعلى صفات لصاحبها، وسأقتصر في هذا المطلب على ما ورد في الروايات الصحيحة:



فقد ورد: "الرؤيا الصالحة" في حديث (4، 9)، و"الرؤيا الصادقة الصالحة" في (10)، و"رؤيا العبد المؤمن الصادقة الصالحة" في (11)، و"الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح" في (1، 3)، و"رؤيا المسلم" في (14)، و"رؤيا الرجل المسلم" في (15)، و"رؤيا المؤمن" في (2).



فقد ذكرت هذه الروايات ثلاث صفات للرؤيا، وهي: الصالحة، والصادقة، والحسنة. وثلاث صفات لصاحبها، وهي: الإسلام، والإيمان، والصلاح.



والملاحظ أن صفة (الصلاح) للرؤيا وصحابها هي الصفة الغالبة في هذه الروايات، فقد ذكرتها تارة مفردة، وتارة مضافة إلى صفات أخرى، وفي هذا دليل على أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا كانت صالحة، ورائيها صالحاً.



أما الرائي: فالصلاح في حقه مرتبة بعد الإسلام والإيمان، وتكون رؤياه من أجزاء النبوة إذا تحقق بالإسلام والإيمان وكان صالحاً، وهذا جمع حسن بين ألفاظ الروايات السابقة.



ومعنى صلاح العبد: استقامته على شرح الله تعالى في الأقوال والأفعال وسائر الأحوال.



ولما كان الناس متفاوتين في هذا، كانت رؤاهم متفاوتة في قدر جزء النبوة، دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً)[402].



قال ابن حجر[403]:"وإنما كان كذلك؛ لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وقوي إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته، استصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقاً..".



وأما الكافر، والمنافق، والفاسق: فلا تضاف رؤياهم إلى النبوة أصلاً، وإن صدقت في بعض الأحيان، لانعدام بعض الأوصاف المذكورة أو كلها.



قال ابن عبدالبر[404]: "قد تكون الرؤيا الصادقة من الكافر ومن الفاسق، كرؤيا الملك التي فسرها يوصف عليه السلام[405]، ورؤيا الفتيين في السجن[406]، - وذكر أمثلة أخرى، ثم قال: - ومثل هذا كثير".



وقال القرطبي[407]: إن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوات، لا تكون من الوحي، ولأن النبوة؛ إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبر ذلك نبوة، وقد تقدم في الأنعام[408] أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندرة والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء" انتهى.



وأما الرؤيا: فيشترط فيها أن تكون صالحة أيضاً.



والرؤية الصالحة: هي الصحيحة المستقيمة، المحققة الوقوع، التي لا تكون أضغاثاً، ولا من تشبيهات الشيطان، ولا ناتجة عن حديث النفس.



قال أبو بكر ابن العربي[409] "معنى صلاحها: استقامتها وانتظامها".



وقال المناوي[410] "وصفت بالصلاح لتحققها وظهورها على وفق المرئي"



وتكثر الرؤى الصالحة من أهل الإيمان والصلاح في آخر الزمان، قال - صلى الله عليه وسلم - : "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب..." الحديث[411].



ومعنى اقتراب الزمان - على الصحيح - : انتهاء مدته إذا دنا يوم القيامة، يدل عليه رواية الترمذي[412] للحديث: (في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب...).



قال ابن بطال[413] وقوله - عليه السلام - : (إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن) فمعناه - والله أعلم - إذا اقتربت الساعة، وقبض أكثر العلم، ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة، فكان الناس على فترة من الرسل يحتاجون إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين، كما كانت الأمم قبلنا تذكر بالنبوة.



فلما كان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الرسل، وما بعده من الزمان ما يشبه الفترة، عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصادقة...".



والرؤيا الصالحة: قد تشتمل على بشارة فتكون سارة، أو نذارة فتكون غير سارة، وعلى هذا تكون "الرؤيا الصالحة" تساوي من حديث المعنى: "الرؤيا الصادقة".



لكن يعكر على هذا حديث ابن مسعود المتقدم برقم (10): (الرؤيا الصادقة الصالحة) حيث جمع بين صدقها وصلاحها، والأصل في مثل هذا التغاير في المعنى، وهذا ما ذهب إليه نصر بن يعقوب الدينوري[414]، حيث جعل الصادقة عامة، والصالحة: الرؤيا السارة.



وقال ابن حجر[415]: "هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا: فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي كله صادقة، وقد تكون صالحة - وهي الأكثر - ، وغير صالحة: بالنسبة للدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد[416].



وأما رؤيا غير الأنبياء: فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث، فالصالحة أخص مطلقاً".



قلت: تفسير (الصالحة) بـ (السارَّة) عند الدينوري وابن حجر، يجعلها تساوي من حيث المعنى (الحسنة) كما ورد في حديث أنس وأبي هريرة (1، 2).



ويؤيده قول ابن حجر[417] "ووقع في حديث أبي سعيد: "الرؤيا الصالحة" وهو تفسير المراد بالحسنة" انتهى.



وخلاصة ما تقدم: أن الرؤيا التي هي من أجزاء النبوة هي الرؤيا الصادقة، أي: المنتظمة المستقيمة، المحققة الوقوع، التي ليست بأضغاث، ولا من حديث النفس، ولا من تشبيهات الشيطان.



ثم إنها إن حملت بشارة، فأدخلت السرور على قلب رائيها، فتسمى أيضاً: (حسنة)، فتكون رؤيا صادقة حسنة.



وأما (الرؤيا الصالحة) فبعضهم فسرها بالصادقة، وبعضهم فسرها بالحسنة.



ويرجح الثاني: ما أخرجه البخاري[418]من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات" قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة".



فسمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبشرات وهي الرؤى الحسنة: صالحة.



تنبيه: قال القرطبي[419] "هذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا - يعني: التي هي جزء من النبوة - بشرى على الإطلاق، وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رأيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقاً به ورحمة، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه.. وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته، فكتب إليه بذلك؛ ليستعد لذلك" انتهى.



قلت: تقسيم الرؤيا إلى: مبشرة ومنذرة، باعتبار مضمونها، ولها تقسيم أخر باعتبار دلالتها:



قال ابن بطال[420]: "الرؤيا تنقسم إلى قسمين، لا ثالث لهما:



القسم الأول: هو أن يرى الرجل رؤيا جلية، ظاهرة التأويل، مثل: أن يرى أنه يعطي شيئاً في المنام، فيعطى مثله بعينه في اليقظة، وهذا الضرب من الرؤيا لا إغراب في تأويلها، ولا رمز في تعبيرها.



والقسم الثاني: مايراه في المنامات المرموزة، البعيدة المرام في التأويل، وهذا الضرب يعسر تأويله إلى على الحذاق بالتعبير؛ لبعد ضرب المثل فيه" انتهى.



وخلاصته أن الرؤيا تنقسم باعتبار دلالتها إلى قسمين: جلية: ظاهرة التأويل، وخفية: بعيدة التأويل.




قال القرطبي[421]: "فإن أدرك - أي: تأويل الخفية - تأولها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك" انتهى.



المطلب الثاني: التوفيق بين الروايات في تحديد الجزء


تقدم الكلام على أن أحاديث الباب مختلفة في تحديد جزء النبوة، وهذا الاختلاف موجود حتى في الروايات الصحيحة منها.





ونظرت في كلام العلماء حول هذا التعارض، فرأيت أقوالاً كثيرة، وتأويلات شتى، منها ما هو سائغ، يشتمل على معنى واضح وجمع حسن، ومنها ما لا يسوغ إلا بتكلف، ولو أردت بسط المسألة، وسرد جميع الأقوال، لطال الكلام، ولما احتمله المقام، فرأيت الاقتصار على أهم الأقوال وأقربها، مسجلاً الملاحظات على تلك الأقوال، ومبيناً المختار منها.




الأول: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوحى إليه ثلاثاً وعشرين سنة، ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنين بالمدينة، وكان قد أوحي إليه في منامه أول الأمر بمكة ستة أشهر، فمدة الوحي المنامي تساوي نصف سنة، ونسبتها من وحي اليقظة تساوي جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.



وهذا التأويل عزاه المصنفون[422]لبعض أهل العلم. وقد أورد عليه جملة أعتراضات، من أبرزها:


1 - لم يثبت أن أمد رؤياه - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة ستة أشهر، نعم ورد أن ابتداء الوحي كان على رأس الأربعين من عمره - صلى الله عليه وسلم.





وذلك في ربيع الأول، ونزول جبريل عليه وهو بغار حراء كان في رمضان، وبينهما ستة أشهر، وهذا على تقدير تسليمه ليس فيه تصريح بالرؤيا[423].





2 - ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى منامات كثيرة بعد البعثة، وهذا يستدعي إضافتها إلى الأشهر الستة الأولى - لو سلمنا بها - فإذا ما جمعت وزيدت على أصل الحساب، تغيرت الأرقام، وفسدت النسبة.




وهذا الاعتراض اعتذر عنه بعض العلماء[424] بأن تلك الأوقات منغمرة في أوقات الوحي الذي في اليقظة، والاعتبار للغالب، بخلاف الأشهر الستة الأولى فإنها منحصرة بالوحي المنامي، قال ابن حجر[425]: "وهو اعتذار مقبول".


3 - إن المناسبة المذكورة تقتضي قصر الخبر على صورة ما اتفق لنبينا صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من ذلك أن كل رؤيا لكل صالح تكون كذلك.



قال أبو بكر ابن العربي[426]: "وهذا - التأويل - لو ثبت بالنقل ما أفادنا شيئاً في غرضنا، ولا صح حمل اللفظ عليه"[427].





4 - هذا القول لا ينسجم على الإطلاق مع جميع أحاديث الباب، وإنما هو توجيه لرواية واحدة فقط، نعم هي أصح الروايات في الباب، لكن لا يعني هذا إهمال باقي الروايات الصحيحة ما أمكن الجمع بينها، فقد تقرر أن الجمع بين الرويات أولى من إعمال إحداها، وإلغاء الباقي، ولذلك قال ابن القيم [428] في التأويل المذكور: "هذا حسن لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة أنها جزء من سبعين جزءاً".




قلت: وكذلك رواية أربعين، وخمسة وأربعين، فقد ثبتت صحتهما أيضاً.



الثاني: لقد اختص الله تعالى نبينا محمداً - صلى الله تعالى عليه وسلم - بطرق من العلم لم تحصل لغيره، والمراد من الحديث: أن نسبة المنامات مما حصل له - صلى الله عليه وسلم - وميز به من تلك الطرق جزء من ستة وأربعين جزءاً.



وهذا التأويل ذكره المازري[429] وقال: "قد مال شيوخنا إلى هذا الجواب".



لكن يرد عليه من الاعتراضات السابقة: الثالث والرابع.




الثالث: تفاوت الأعداد في الروايات عائد إلى تفاوت الأنبياء في المقامات، قال الله تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ الآية[430] فتكون نسبة الرؤيا من أعلى الأنبياء المرسلين جزءاً من سبعين، ونسبتها من أقل النبيين غير المرسلين جزءاً من أربعين، وما بقي من الأعداد فبحسب تفاوت الأنبياء والرسل في الدرجات بينهم[431]





وهذا التأويل وإن سلم مما اعترض به على القولين السابقين، وفيه مراعاة لسائر الروايات، لكن يلزم منه استواء الرائين جميعهم في الجزء، على الرغم من اختلاف درجاتهم، وتباين منازلهم في الصلاح.



الرابع: تفاوت الأعداد عائد إلى اختلاف طرق الوحي، إذ منه: ما سمع من الله بلا واسطة، ومنه: ما كان بواسطة الملك، ومنه: ما ألقي في القلب من الإلهام، ومنه: ما أتاه في النوم، ومنه: ما جاء به الملك على صورته، ومنه: ما جاء به على صورة آدمي معروف، أو غير معروف، ومنه: ما أتاه به في صلصلة الجرس، ومنه: ما يلقيه روح القدس في رُوعه، إلى غير ذلك، فتكون تلك الحالات إذا عدت انتهت إلى العدد المذكور.



وهذا التوجيه عزاه ابن حجر[432] للقاضي عياض، وفيه تكلف ظاهر، لذلك لم يرتضه أبو العباس القرطبي، وتعقبه بقوله[433]: "ولا يخفى ما في هذا الوجه من البعد والتساهل، فإن تلك الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبوة، وأكثر الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوة في شيء، ككونه يعرف الملك أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته أو على غير صورته، ثم مع هذا التكلف العظيم لم يقدر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين".



الخامس: تفاوت الأعداد عائد إلى التدرج في فضل الله تعالى وعطائه لأصحاب هذه الرؤى، فيحتمل أن يكون الله عز وجل جعل الرؤيا في البدء جزءاً يسيراً، فكان نسبتها إلى النبوة جزءاً من سبعين، ثم زاد هذا الجزء من فضله تدريجياً حتى بلغ جزءاً من أربعين، وهذا القول ذكره الطحاوي[434].



أقول: لكن هذا القول يتوقف على دليل يفيد أن الروايات التي ذكرت الجزء اليسير متقدمة، والروايات التي ذكرت الجزء الكبير متأخرة، وبدونه يبقى هذا القول ضرباً من الظن، والله أعلم.



السادس: تفاوت الأعداد يرجع إلى تفاوت الرؤى في الدلالات، فالمنامات تحمل دلالات، وهذه الدلالات منها خفي، ومنها جلي - كما تقدم في المطلب السابق - فكلما ازدادت دلالة الرؤيا وضوحاً عظم الجزء، وكلما ازدادت غموضاً صغر الجزء[435] وهذا وجه حسن.



السابع: تفاوت الأعداد عائد إلى اختلاف حال الرائي، فليس جميع من يرى الرؤيا الصالحة على درجة واحدة من الإيمان والصلاح - كما تقدم في تقسيم الرؤى باعتبار من أضيفت إليه - وبه قال جماعة من العلماء، كالإمام الطبري، وصححه أبن العربي وآخرون[436]



قال الطبري[437] "فأما قوله "من سبعين جزءاً من النبوة" فإن ذلك قول عام في كل رؤيا صالحة صادقة لكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان، وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة والنخعي: إن الرؤيا جزء من سبعين جزءاً من النبوة.



وأما قوله "إنها جزء من أربعين" أو "ستة وأربعين" فإنه يريد بذلك ما كان صاحبها بالحال التي ذكر عن الصديق - رضي الله عنه - أنه يكون بها.



روي ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه أن زياد بن نعيم حدثه أن أبا بكر الصدّيق كان يقول: لأن يرى الرجل المسلم يسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إليّ من كذا وكذا.



"فمن كان من أهل إسباغ الوضوء في السبرات[438] والصبر في الله على المكروهات، وإنتظار الصلاة بعد الصلاة، فرؤياه الصالحة - إن شاء الله - جزء من أربعين جزءاً من النبوة، ومن كانت حاله في ذاته بين ذلك فرؤياه الصادقة بين الجزء من الأربعين إلى السبعين، لا ينتقص عن سبعين ولا يزاد على أربعين".



قال ابن العربي[439]: "أصح ما في ذلك: تأويل الطبري عالم القرآن والحديث، قال: نسبة هذه الأعداد إلى النبوة إنما هو بحسب اختلاف الرائي، فتكون رؤيا الصالح على نسبته، والمحطوط عن درجته على دونها"[440].



قلت: هذا تأويل سائغ حسن، سالم من جميع الاعتراضات المتقدمة، جامع لكل الروايات الصحيحة في الباب.



الثامن: كل ما قيل في تفاوت أعداد أجزاء النبوة إنما هو من باب الظن والتخمين، وأما بالتحقيق فلا، لأن النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره، وأجزاء النبوة لا يعلمها من البشر إلا الأنبياء، فالأولى أن نؤمن بما ورد، ونعتقد بأنه حق، ولا نظن بما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقديرات لأجزاء النبوة بأنه جزاف، بل لا يتكلم عليه الصلاة والسلام إلا بالحق، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وليس كل ما خفيت علينا علته، لا تلزمنا حجته، والقدر الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبينه هو تحقيق أمر الرؤيا، وأنها جزء من النبوة في الجملة، وهذا رأي الخطابي، واختاره الكثير[441].



وخلاصة ما تقدم:

أن الأقوال الخمسة الأولى لم تسلم من الاعتراض، وأقرب التأويلات - لمن رام مسلك التأويل - هو القول السادس والسابع، لاشتمال كل منهما على معنى صحيح، وتأويل سائغ يعضده الدليل، بيد أن ما جاء في القول الأخير من عدم التأويل، وترك الخوض في تفسير ما خفي علينا، هو مسلك إيماني



مشهور، اختاره كثير من العلماء، وهو ما تميل إليه النفوس، وتطمئن إليه القلوب، والله الهادي.






المطلب الثالث: بيان معنى "من النبوة"


اتفق العلماء على أن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جزء من النبوة على الحقيقة، وأنها وحي من الله تعالى.





قال الخطابي[442] "إنما كانت جزءاً من أجزاء النبوة في الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم، وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم، كما يوحى إليهم في اليقظة".



ثم روى بسنده إلى عبيد بن عمير - وهو من كبار التابعين - أنه قال: رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ قوله تعالى:﴿ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ [443].



واختلفوا في رؤيا غير الأنبياء على قولين:

القول الأول: الرؤيا الصالحة من غير الأنبياء جزء من أجزاء النبوة على الحقيقة أيضاً، وبه قال الكرماني[444]وغيره.



واستدل أصحاب هذا القول بظاهر النصوص الواردة في الباب.



القول الثاني: الرؤيا الصالحة من غير الأنبياء جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز لا الحقيقة، وإليه ذهب ابن بطال[445] والخطابي[446] وابن عبد البر[447] وغيرهم وحجتهم في صرف اللفظ عن حقيقته:



أولاً: إن نسبة جزء من النبوة إلى غير الأنبياء ممتنع؛ فلا ينسب شيء من النبوة إلى غير أنبياء الله تعالى الموحى إليهم.



ثانياً: قد تتخذ هذه الأحاديث ذريعة من قبل الدجالين؛ ليحلوا ما حرم الله أو يحرموا ما أحل الله، أو يضيفوا إلى الدين الثابت بالأصول الصحيحة عن طريق الوحي ما ليس منه، بحجة أن ما جاؤوا به مستند إلى رؤيا صالحة وهي من النبوة.





ثم اختلف أصحاب هذا القول في تأويل الحديث على أقوال، أهمها:


1 - الرؤيا كالنبوة في كونها أنباء صادقة من الله تعالى لا كذب فيها، وبه قال ابن بطال[448].





يقول رحمه الله[449]: "إن لفظ النبوة مأخوذ من النبأ والإنباء، وهو الإعلام في اللغة، والمعنى: أن الرؤيا إنباء صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة: الإنباء الصادق من الله الذي لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر عن الغيب".





2 - الرؤيا جزء من أجزاء علم النبوة، وهذا التأويل ذكره الخطابي[450].




وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي) قال: فشق ذلك على الناس. قال: قال: (ولكن المبشرات) قالوا: وما المبشرات؟ قال: (رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة)[451].





3 - الرؤيا كالنبوة في اشتمالها على خوارق العادات، والاطلاع على المغيبات ذكره ابن عبد البر[452]والقرطبي[453]





قال ابن عبد البر[454] "يحتمل أن تكون الرؤيا جزءاً من النبوة؛ لأن فيها ما يعجز ويمتنع، كالطيران، وقلب الأعيان" زاد القرطبي[455] "... والاطلاع على شيء من علم الغيب"، وقيل غير هذه من التأويلات.



المناقشة: إن حمل الكلام على الحقيقة إن كان ممكناً ولم يصرفه عنها صارف هو الأصل، ولا يلجأ إلى المجاز إلا عند تعذر المعنى الحقيقي، ولا تعذر هنا، فلا ضرورة للتأويل، والاستشكالان الواردان ممن حمل الحديث على المجاز مدفوعان:



أما الأول وهو في نسبة جزء من النبوة إلى غير الأنبياء: ذكره الكرماني وأجاب عنه بقوله[456] "إن قلت: هل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة: له شيء من النبوة؟ قلتُ: جزء النبوة ليس نبوة؛ إذ جزء الشيء غيره، أو لا هو ولا غيره، فلا نبوة له".



وزاد ابن حجر الجواب إيضاحاً فقال[457] "إن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافاعاً صوته، لا يسمى أذاناً، ولا يقال: إنه أذن، وإن كانت جزءاً من الأذان، وكذا لو قرأ شيئاً من القرآن وهو قائم، لا يسمي مصلياً، وإن كانت القراءة جزءاً من الصلاة" انتهى.



وأما الاستشكال الثاني لهم في سد الباب بوجه الدجالين، فيجاب عنه بأنه لا خلاف بين المسلمين جميعاً في أنه ليس لغير رسل الله من التشريع شيء، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا رسول بعده ولا نبي، به أكمل الله الدين وختم الشريعة، وليس من حق أحد كائناً من كان أن يضيف أو ينقص في دين الله تعالى.



ومن وجه آخر: نقل الحافظ ابن حجر[458] عن بعض الشراح - ولم يسمه - في قوله صلى الله عليه وسلم : "من النبوة" أنه قال: "كذا هو في جميع الطرق، وليس في شيء منها بلفظ: (من الرسالة) بدل من "النبوة".




قال: وكأن السر فيه أن الرسالة تزيد على النبوة بتبليغ الأحكام للمكلفين، بخلاف النبوة المجردة فإنها اطلاع على بعض المغيبات، وقد يقرر بعض الأنبياء شريعة من قبله، ولكن لا يأتي بحكم جديد مخالف لمن قبله" انتهى.





وفي هذا إشارة واضحة إلى ما قدمناه من أنه لا يحق لصاحب الرؤيا أن يضيف إلى شرع الله تعالى أو ينقص منه شيئاً، وكأنه يقول: التشريع وظيفة الرسل خاصة، أما الأنبياء فمنهم من يأتي ليذكر بشريعة رسول سبقه، ولا يكون له تشريع مستقل، والرؤيا الصالحة إنما جعلها اله من النبوة لا من الرسالة.




القول الراجح: بعد عرض القولين في المسألة، وحجة كل قول، وجواب أصحاب القول الأول على ما استشكله الآخرون، يترجح القول الأول، لأنه هو الأصل والظاهر، ولا صارف لهذا الأصل، والله أعلم.



الخاتمة:



وتتضمن أهم نتائج البحث:


من أهم النتائج التي توصلت إليها خلال هذا البحث ما يلي:


1 - بلغ عدد أحاديث الباب ثمانية عشر حديثاً، يرويها اثنا عشر صحابياً، تشتمل على اثنتي عشرة رواية، بالإضافة إلى خمس روايات أخرى ذكرها الشراح دون إسناد.


2 - الروايات الثابتة منها: رواية "ستة وأربعين"، ثم رواية "سبعين"، ثم رواية "خمسة وأربعين"، ثم رواية "أربعين"، وأما الرواية التي لم تحدد جزء النبوة بعدد معين فهي رواية مطلقة قيدتها الروايات السابقة، وباقي الروايات ضعيفة، أو لا سند لها.




3 - تواتر هذا الحديث معنوي ومفيد؛ للاختلاف في ألفاظه في صفات الرؤيا والرائي، وتحديد جزء النبوة.


لا تكون الرؤيا من أجزاء النبوة إلا بشروط فيها وفي رائيها، وهذه الرؤى قد تشتمل على بشارة، أو نذارة، وقد تكون واضحة الدلالة فلا تحتاج لتأويل، وقد تكون خفية تحتاج إلى من يؤولها.


4 - الاختلاف بين الروايات في عدد أجزاء النبوة عائد إلى اختلاف حال الرائين وتفاوتهم في الصلاح، أو إلى تفاوت الرؤى في الدلالات، وقيل غير هذا.


5 - قوله - صلى الله عليه وسلم - "جزء من النبوة" محمول على الحقيقة في حق الأنبياء اتفاقاً، وهو الراجح في حق غيرهم؛ إذ لا مانع منه، وجزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
 0  0  174
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:34 مساءً الخميس 29 محرم 1439 / 19 أكتوبر 2017.