• ×

أهمية الرؤى والأحلام

يوسف بن دخيل الله الحارثي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد:
فإنه إذا أردْنا أن نعرِف أهمية أمْر أو علم، يمكن أن يكون من خلال أمرين:
الأول: التعرُّف على درجة الاهتمام به من قِبل المصادر المعتمدة.
الثاني: النظر في فوائد وثمرة هذا العِلم.

وهنا سنبيِّن أهمية علم الرُّؤى والأحلام من خلال الأمرين السابقين، وسيكون ذلك في النقاط التالية:
أولاً: وجود الرؤيا والاهتمام بها في جِنس البشر، وأصل الخلق، وجميع الأديان:
• قال ابن خلدون - رحمه الله - في مقدمته: "هذا العلم من العلوم الشرعية، وهو حادث في الملَّة عندما صارتِ العلوم صنائعَ، وكتب الناس فيها، وأما الرؤيا والتعبير لها فقد كان موجودًا في السلف، كما هو في الخلف، وربما كان في الملوك والأمم من قبلُ، إلاَّ أنه لم يَصِلْ إلينا للاكتفاء فيه بكلام المعبِّرين من أهل الإسلام، وإلاَّ فالرؤيا موجودة في صنف البشر على الإطلاق، ولا بدَّ من تعبيرها".

ويقول ابن عبدالبر - رحمه الله -: "وعلم تأويل الرؤيا من علوم الأنبياء وأهل الإيمان، وحسبك بما أخبر الله من ذلك عن يوسف - عليه السلام - وما جاء في الآثار الصِّحاح عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأجمع أئمَّة الهُدى من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم مِن علماء المسلمين؛ أهل السنة والجماعة: على الإيمان بها، وعلى أنَّها حِكمة بالغة، ونعمة يمنُّ الله بها على مَن يشاء، وهي المبشِّرات الباقية بعد النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

• وقال الشهاب العابر: "علم الرؤيا وهو العِلم الأول منذ ابتداء العالَم لم يزل عليه الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - يأخذون به، ويعملون عليه، حتى كانت نبوءتهم بالرؤيا وحيًا من الله - عز وجل - إليهم في المنام، وما كان قبل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من علوم الأوائل أشرفُ من علم الرؤيا".

• وقال الشوكاني: "أطْبَق أهلُ المِلل على أنَّ معبِّر الرؤيا يخبر عن أمور مستقبلة، ويكون صادقًا فيها".

ثانيًا: أنَّ أول هذا الدِّين وآخره بالرؤيا الصادقة:
• أما قول: إنَّها أول ما بُدِئ به في الدين، فمأخوذ مما ورد في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أوَّل ما بُدِئ به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الرؤيا الصادقة".

• ونقل النوويُّ من كلام الخطابي في شرح (الرؤيا جزء من النبوة): "هذا توكيد لأمر الرؤيا، وتحقيق منزلتها، وقال: وإنما كانت جزءًا من أجزاء النبوة في حقِّ الأنبياء دون غيرِهم، وكان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يوحَى إليهم في منامهم، كما يوحى إليهم في اليقظة".

• وأما قول: إنها آخِر الدين، فبما ورد في الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا اقترب الزمان لم تكدْ تكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمِن جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوَّة فإنَّه لا يكذب)).

• قال ابن بطال: "فعلى هذا المعنى إذا اقتربتِ الساعة وقُبِض أكثر العلم، ودرست معالِم الديانة بالهرج والفِتنة، فكان الناس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكِّر ومُجدِّد لِمَا دَرَس من الدين، كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لَمَّا كان نبيُّنا خاتمَ الأنبياء، وصار الزمان المذكور يشبه زمانَ الفترة، عُوِّضوا بما منعوا من النبوَّة بعدُ بالرؤيا الصادقة، التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار".

ثالثًا: اهتمام القرآن بسَرْد الرؤيا، وبيان تفسيرها:
• وقال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسيره: "عن قتادة: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]، وإنما عبارة الرؤيا بالظنّ، فيُحِقُّ الله ما يشاء، ويُبطِل ما يشاء.

وهذا الذي قاله قتادة من أنَّ عبارة الرؤيا ظنٌّ، فإنَّ ذلك كذلك من غير الأنبياء، فأما الأنبياء فغيرُ جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائن ثم لا يكون، أو أنه غيرُ كائن ثم يكون، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرتْ عنه أنَّه كائن أو غير كائن؛ لأنَّ ذلك لو جاز عليها في أخبارها لم يؤمن مثل ذلك في كلِّ أخبارها، وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها سقطتْ حُجُّتها على مَن أُرسِلت إليه، فإذا كان ذلك كذلك كان غير جائز عليها أن تخبر بخبر إلاَّ وهو حقٌّ وصِدق، فمعلوم إذ كان الأمر على ما وصفت أنَّ يوسف لم يقطع الشهادة، فبين إذًا بذلك فَسَادَ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42].

• وقال السعديُّ عند تفسير سورة يوسف: "إنَّ عِلم التعبير من العلوم الشرعية، وإنه يُثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وإنَّ تعبير الرؤيا داخلٌ في الفتوى؛ لقوله للفتيينِ: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41]، وقال الملك {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} [يوسف: 43]، وقال الفتى ليوسف: {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ} [يوسف: 46] الآيات، فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير عِلم.

وقال: ومنها؛ أي: من العبر والفوائد التي اشتملتْ عليها هذه القصة العظيمة: :فضيلة العلم؛ علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير والتربية،.. وقال: فإنَّ علم التعبير من العلوم المهمَّة التي يعطيها الله مَن يشاء من عباده".

• عرضت الدكتورة بنت الشاطئ إلى مادتي الرؤى والأحلام في كتابها "الإعجاز البياني للقرآن"، فقالت: " استقرأت الآيات التي وردتْ فيها لفظة "الأحلام"، وهي ثلاث آيات يشهد سياقُها بأنَّها: الأضغاث المشوشة، والهواجس المختلطة، وتأتي في المواضع الثلاثة بصِيغة الجمع؛ دلالةً على الخلط والتشويش لا يتميز فيه حُلم عن آخر، وأنا أجتزئ بآية من هذه الآيات الثلاث، وهي قوله – تعالى -: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5].

أمَّا الرؤيا فجاءتْ في القرآن سبعَ مرَّات، كلها في "الرؤيا" الصادقة، وهو لا يستعملها إلاَّ بصيغة المفرد؛ دلالةً على التمييز والوضوح والصفاء، ومن بين المرَّات السبع، جاءتِ الرؤيا خمسَ مرَّات للأنبياء، فهي من صِدْق الإلهام القريب من الوحي، وأجتزئ من هذه الآيات السبع بواحدة هي رؤيا إبراهيم - عليه السلام -: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 104 - 105].

إنَّ هذا الذي جاء في القرآن في مادة "الرؤيا"، ودلالتها على الصِّدْق في الآيات السبع - في حين أنَّ "الأحلام" لم تَرِد إلا في الأضغاث المشوشة المختلطة الكاذبة - خصوصية معنويَّة اختصت بها لُغة التنزيل العزيز.


رابعًا: اهتمام النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بهذا العِلم:
• فأولاً: أمرُه بتعبير الرؤيا؛ ففي الحديث الذي يرويه الترمذيُّ عن أبي هريرة: ((إذا رأى أحدُكم الرؤيا الحَسَنة فليفسِّرْها، وليخبرْ بها، وإذا رأى الرؤيا القبيحة فلا يفسِّرْها، ولا يخبرْ بها)).

• وثانيًا: عمل الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين كان يسأل صحابته الكرام عن الرؤيا، فقد ذكر ابن عبدالبر، والقرطبي - صاحب المفهم - والنوويُّ، وابن حجر: أنَّ ذلك ليعلمَهم كيفية التعبير، وغير ذلك.

• وفي "الفتح" عند شرْح حديث أبي بكر عندما عبَّر رؤيا في حضرة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال ابن حجر من الفوائد: "وفيه: الحثُّ على تعليم عِلم الرؤيا وعلى تعبيرها، وترْك إغفال السؤال عنه وفضيلتها؛ لما تشتمل عليه من الاطلاع على بعض الغيب وأسرار الكائنات".

• وكان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا انفَتَل من صلاة الغداة يقول لأصحابه: ((هل رأى أحدٌ منكم الليلةَ رؤيا)) يسألهم عن ذلك؛ ليستبشرَ بما وَقَع من ذلك مما فيه ظهور الدِّين وإعزازه.

• ومن كلام النوويِّ في شرحه لصحيح مسلم، والحديث الذي يرويه سَمُرة بن جندب، قال: كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا صلَّى الصبح أقْبَل عليهم بوجهه، فقال: ((هل رأى أحدٌ منكم البارحة رؤيا؟)) -: "قوله: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا صلَّى الصبح أقْبَل عليهم بوجهه، فقال: ((هل رأى أحد منكم البارحةَ رؤيا؟))، قال: وفيه استحبابُ السؤال عن الرؤيا، والمبادرة إلى تأويلها وتعجيلها أولَ النهار لهذا الحديث، ولأنَّ الذِّهْن جُمِع قبل أن يتشعَّب بإشغاله في معايش الدنيا، ولأنَّ عهد الرائي قريب لم يطرأْ عليه ما يهوش الرؤيا عليه، ولأنَّه قد يكون فيها ما يُستحبُّ تعجيله، كالحثِّ على خير، أو التحذير من معصية، ونحو ذلك، وفيه: إباحة الكلام في العِلم وتفسير الرؤيا ونحوهما بعدَ صلاة الصبح".

• وقال الإمام المناوي في "فيض القدير" - عند حديث: "كان إذا صلَّى بالناس أقبل عليهم بوجهه، فقال: ((هل رأى أحدٌ منكم رؤيا)) - قال: "قال الحكيم: كان شأن الرؤيا عنده عظيمًا، فلذلك كان يسأل عنه كلَّ يوم، وذلك من أخبار الملكوت من الغيب، ولهم في ذلك نفعٌ في أمر دينهم، بُشرَى كانت، أو نذارة، أو معاتبة" اهـ.

وقال القرطبي: "إنَّما كان يسألهم عن ذلك لما كانوا عليه من الصلاح والصِّدق، وعلم أنَّ رؤياهم صحيحة يُستفاد منها الاطِّلاع على كثير من عِلم الغيب، وليسُنَّ لهم الاعتناءَ بالرؤيا والتشوق لفوائدها، ويعلمَهم كيفية التعبير، وليستكثرَ من الاطِّلاع على الغيب".

خامسًا: تدارس الصحابة في هذا العلم واهتمامهم به:
• تدارسهم، بل وتسابقهم وتدربهم عليه؛ كما ورد في الصحيح مِن فِعْل أبي بكر - رضي الله عنه -: بقوله: "دعني أَعْبُرها"، وكذا اهتمامهم بتعبيرها، حتى بعدَ وفاة النبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم.

• وفي "الفتح" في شرح حديث أبي بكر عندما عبر رؤيا في حضْرة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال ابن حجر: "من الفوائد: أنَّ الرؤيا ليستْ لأوَّل عابر كما تقدَّم تقريره، لكن قال الكرماني: المعبر لا يغيِّر الرؤيا عن وجهها عبارةُ عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يُغيِّر ما كانت نسختُه من أم الكتاب، غيرَ أنَّه يستحب لمن لم يتدرَّب في عِلم التأويل ألاَّ يتعرَّض لما سبق إليه مَن لا يُشك في أمانته ودينه.

قلت: وهذا مبنيٌّ على تسليم أنَّ المرائي تنسخ من أمِّ الكتاب على وَفق ما يعبرها العارِف، وما المانع أنها تنسخ على وَفْق ما يعبرها أوَّل عابر".

• وروي عن عمر بن الخطاب قال: العجبُ من رؤيا الرجل أنَّه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على باله فتكون رؤياه كأخْذ باليد، ويرى الرجل الرؤيا فلا تكون رؤياه شيئًا! فقال علي بن أبي طالب: أفلا أُخبِرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ يقول الله - تعالى -: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42]، فالله يتوفى الأنفس كلها، فما رأتْ وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأتْ إذا أرسلت إلى أجسادِها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل، فكذبت فيها، فعَجِب عمر - رضي الله عنه - من قوله.

سادسًا: اهتمام السلف بهذا العلم وتبيان مكانته ومناقشة مسائله:
فصنيع العلماء - سواء علماء الحديث أو التفسير، أو علماء التعبير - من ذكر أصول هذا العِلم وقواعده، والحثِّ على تعلمه وتعليمه في مصنفاتهم ومناقشة مسائله في شروح الكتاب والسنة، وأبواب العقيدة والآداب، وتأليف المصنَّفات المستقلَّة، وصَوْغ المتون نثرًا وشعرًا.
• قال ابن القيم في كتابه "زاد المعاد في هَدْي خير العباد": "ويكفي الاعتبار بفرْع واحد من فروعه، وهو عبارة الرؤيا، فإنَّ العبد إذا نفذ فيها، وكمل اطلاعه جاء بالعجائب، وقد شاهدْنا نحن وغيرنا من ذلك أمورًا عجيبة، يحكم فيها المعبِّر بأحكام متلازمة صادقة، سريعة وبطيئة، ويقول سامعها: هذه عِلم غيب، وإنما هي معرفة ما غاب عن غيره بأسباب انفرد هو بعلمها، وخفيت على غيره.

إلى أن قال بخلاف عِلم الرؤيا، فإنَّه حق لا باطل؛ لأنَّ الرؤيا مستندة إلى الوحي المنامي، وهي جزء من أجزاء النبوة، ولهذا كلما كان الرائي أصدقَ وأبرَّ وأعلم كان تعبيره أصحَّ، بخلاف الكاهن والمنجِّم وأضرابهما ممن هم مدد من إخوانهم الشياطين، فإنَّ صناعتهم لا تصحُّ من صادق ولا بار، ولا متعبِّد بالشريعة، بل هم أشبهُ بالسحرة الذين كلما كان أحدهم أكذبَ وأفجر، وأبعد عن الله ورسوله ودِينه، كان السحرُ معه أقوى وأشدَّ تأثيرًا، بخلاف عِلم الشرع والحق، فإنَّ صاحبه كلما كان أبر وأصدق وأدين، كان علمُه به ونفوذه فيه أقوى، وبالله التوفيق".

• وقال القرافي كذلك في "الفروق": "وقد رأيتُ ممَّن له قوَّة نفس مع هذه القواعد، فكان يتحدَّث بالعجائب والغرائب في المنام اللطيف، ويخرج منه الأشياء الكثيرة، والأحوال المتباينة، ويُخبر فيه عن الماضيات والحاضرات والمستقبلات، وينتهي في المنام اليسير إلى نحو المائة من الأحكام بالعجائب والغرائب، حتى يقول مَن لا يعلم بأحوال قوى النفوس: إنَّ هذا من الجان أو المكاشفة، أو غير ذلك".

• وقال القرطبي: "وعلى الجملة فإنَّ الرؤيا الصادقة من الله، وإنها من النبوَّة؛ قال - عليه السلام -: ((الرؤيا من الله، والحُلم من الشيطان))، وإنَّ التصديق بها حق، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضُها عن التأويل، وفيها من بديع الله ولطفه ما يَزيد المؤمن في إيمانه؛ ولا خلاف في هذا بين أهْل الدِّين والحق من أهل الرأي والأثر، ولا ينكر الرؤيا إلاَّ أهلُ الإلحاد وشرذمة من المعتزلة".

• وقال القرطبي في "المفهم": "ففيه ما يدلُّ على أنَّ الرؤيا قد تقع موافقةً لظاهرها من غير تأويل، وأنَّ الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسانُ بتأويلها، وإنما هي ظن وحدس، إلاَّ فيما كان منها وحيًا للأنبياء".

• وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات": "إذا تقرَّر اعتبار ذلك الشرْط - يقصد أنَّ الخوارق لا تخرم قاعدة شرعية - قال: فلن يسوغَ العمل على وفقها، قال: فالقول في ذلك أولاً: أنَّ الأمور الجائزات أو المطلوبات التي فيها سَعة يجوز العملُ فيها بمقتضى ما تقدَّم، وذلك على أوجه - وذكر لذلك أمثلة - والأمر الثاني: أن يكون العمل بالرؤيا في أمرٍ مباح".

• وقال في "مرقاة المفاتيح": "قال المظهر: هذا تصريح بأنَّ من رأى رؤيا يُستحب أن يعمل بها في اليقظة إن كانتْ تلك الرؤيا شيئًا فيه طاعة".

• وقال ابن العربي في "أحكام القرآن": "ألاَ ترى أنَّ الصِّدِّيق لما أخطأ في تفسير الرؤيا لم يكن ذلك حكمًا عليها، وإنما ذلك إذا احتملت وجوهًا من التفسير، فعيَّن بتأويله أحدها جاز".

• وقال ابن عبدالبر: "شرف علم الرؤيا وفضلها لأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنما كان يسأل عنها لتقصَّ عليه، ويعبرها ليُعلِّمَ أصحابه كيف الكلام في تأويلها، وقد أثنى الله - عز وجل - على يوسف بن يعقوب - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعدَّد عليه فيما عدَّد من النِّعم التي آتاه التمكينَ في الأرض، وتعليمَ تأويل الأحاديث، وأجمعوا أنَّ ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف - عليه السلام - أعلم الناس بتأويلها، وكان نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - نحو ذلك، وكان أبو بكر الصديق مِن أعبر الناس لها.

• قال البغوي في "شرح السنة": "اعلم أنَّ تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا:
1- فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب (القرآن).
2- أو من جهة السُّنة.
3- أو من الأمثال السائرة بين الناس.
4- وقد يقع على الأسماء والمعاني.
5- وقد يقع على الضدِّ والقلب"، وفصَّلها تفصيلاً مهمًّا.

• قال في "الآداب الشرعية": "فصل في الرؤيا: قال في "المستوعب": لا ينبغي أن يفسر الرؤيا مَن لا علم له فيها، ولا يعبرها على المكروه، وهي عنده على الخير، ولا على الخير وهي عنده على المكروه؛ انتهى كلامه، وينبغي أن يُريد بقوله التحريم.

• وقال الشنقيطي في "أضواء البيان": "واستنبطوا تفسيرَ كلِّ رؤيا من الكتاب، فإن عزَّ عليهم إخراجها منه، فمِن السُّنة التي هي شارحة الكتاب، فإن عسر فمِن الحِكم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم، وعُرْف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199].

سابعًا: بيانهم لخطورة هذا العِلم، ودقَّة التعامل به:
• يقول ابن تيمية: "وأمَّا الرؤيا وتأويلها، فباب لا ينضبط له حدٌّ، وقد يكون تأويلها لا يشبهها إلا بوجه بعيد، لا يهتدي له إلا حُذَّاق المعبرين، ولدقة هذا العلم، وخفي مدركه اتَّهم مَن برع فيه بأنَّ له رَئِيًّا من الجن، وليس كذلك".

• وقال الإمام ابن القيم في كتاب "التبيان في أقسام القرآن": "القلم التاسع: قلم التعبير، وهو كاتبُ وحي المنام وتفسيره وتعبيره، وما أريد منه، وهو قلم شريف جليل، مترجِم للوحي المنامي، كاشِف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين، وهو يعتمد على طهارة صاحبه ونزاهته، وأمانته وتحرِّيه للصدق والطرائق الحميدة، والمناهج السديدة، مع علم راسخ، وصفاء باطن، وحِسٍّ مؤيد بالنور الإلهي، ومعرفة بأحوال الخلق وهيئاتهم، وسيرهم، وهو من ألْطف الأقلام، وأعمِّها جولانًا، وأوسعها تصرُّفًا، وأشدها تشبثًا بسائر الموجودات؛ علويها وسفليها، وبالماضي والحال والمستقبل، فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته، وكرسي مملكته وسلطانه".

• يقول القرافي: "يحتاج الناظرُ فيه مع ضوابطه وقرائنه إلى قُوى النفوس المعِينة على الفراسة، والاطِّلاع على المغيبات، بحيث إذا توجَّه الحرز إلى شيء لا يكاد يخطئ، بسبب ما يخلقه الله - تعالى - في تلك النفوس من القوَّة المعِينة على تقريب الغَيْب أو تحقُّقه، كما قيل في ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنَّه كان ينظر إلى الغيب من وراء سِتْر رقيق؛ إشارة إلى قوَّةٍ أعطاه، أو وهبه الله إيَّاها، فرأى بما أودَعه الله - تعالى - في نفسه من الصفاء والشفوف، والرِّقَّة واللطافة، فمِن الناس مَن هو كذلك، وقد يكون ذلك عامًّا في جميع الأنواع، وقد يهبه الله - تعالى - ذلك باعتبار المنامات فقط.

• وقيل: المعنى أنَّها جزء من عِلم النبوَّة؛ لأن النبوة وإن انقطعتْ فعلمها باقٍ، وتُعقِّب بقول مالك فيما حكاه ابن عبدالبر: أنَّه سئل: أيعبر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟! ثم قال: الرؤيا جزءٌ من النبوة، فلا يلعب بالنبوة.

قال في "التثريب": لا بدَّ من تأويله وصرفه عن ظاهرِه كما أولْنا الحديث، ومعناه: أنها لما أشبهتِ النبوة في الاطلاع على الغيب بخلْق إدراك من الله - تعالى - لم يتلاعب بها، ولم يتكلَّم فيها بغير علم، كما لا يُخاض في النبوة بغير عِلم.

• وقال الإمام المجدِّد محمد بن عبدالوهاب: "عِلم التعبير علمٌ صحيح، يمنُّ الله به على مَن يشاء مِن عباده، وقال: عبارة الرؤيا علم صحيح، ذَكَرَه الله في القرآن، ولأجل ذلك قيل: لا يعبر الرؤيا إلاَّ مَن هو من أهل العلم بتأويلها؛ لأنَّها من أقسام الوحي".

• وقال التويجري في كتاب "الرؤيا": "وليعلم المتسرِّعون إلى تأويل الرؤيا أنَّ ما ذكر من التأويل ليس هو من التوقيف الذي يُقطع به في تأويل الأشياء التي ذكر فيه، وإنما هو من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا، وقد يكون غيرَ صواب... إلى أن قال: فاتَّقوا الله أيها المتسرِّعون إلى تعبير الأحلام بغير علم، واعلموا أنكم ستسألون عن تخرُّصاتكم يومَ القيامة، ولا يأنف أحدُكم أن يقول: لا أدري، فقد قال غيرُ واحد من العلماء: إنَّ قول: "لا أدري" نصف العلم".

ثامنًا: فوائد وثمرة علم الرؤيا تدل على أهميته:
• قال في "أبجد العلوم": ومنفعتُه البشرى بما يرِدُ على الإنسان من خير، والإنذار بما يتوقَّعه من شرّ، والاطلاع على الحوادث في العالَم قبل وقوعها؛ انتهى.

• وقال ابن كثير: "فتارة يبشِّره بخير قدَّمه، وينذره من معصية ارتكبها أو همَّ بها، ويحذِّره من مكروه انعقدت أسبابه؛ ليعارضَ تلك الأسباب بالأسباب التي تدفعها، ولغير ذلك من الحِكم والمصالح التي جعلها الله في الرؤيا نِعمةً منه ورحمة، وإحسانًا وتذكيرًا".

• وقال المازري: "إنَّ ثمرة المنامات الخبر بالغيب لا أكثر، وإن كان يتبع ذلك إنذاراتٌ وبشرى، والإخبار بالغيب أحدُ ثمرات النبوة، وأحد فوائدها، وهو في جنب فوائد النبوَّة، والمقصود منها يسير؛ لأنَّه يصحُّ أن يُبعث نبيٌّ يشرع الشرائع، ويثبت الأحكام، ولا يخبر بغيب أبدًا، ولا يكون ذلك قادحًا في نبوته، ولا مبطلاً للمقصود منها، وهذا الجزء من النبوَّة - وهو الإخبار بالغيب - لا يكون إلا صدقًا، والرؤيا بما دلَّت على شيء، ولا يقع لكونها من الشيطان، أو من حديث النفس، أو مِن غلط العابر في العبارة، فصار الخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة، وهو غير مقصود منها، ولكنَّه لا يقع إلا حقًّا وثمرة المنام الإخبارُ بالغيب، ولكنَّه قد لا يقع صدقًا، فتقدر النسبة في هذا بقدر ما قدَّره الشرع بهذا العدد على حسب ما أطلعه الله عليه، ولأنه يعلم من حقائق نبوته ما لا نعلمه نحن".

• وقال في "المنتقى شرح الموطأ": "قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الرؤيا من الرجل الصالح جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)): وصفَها بأنها جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما يكون في المستقبل على وجه يصحُّ، ويكون من عند الله - عز وجل - وقد قال: جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ للرؤيا ملَكًا وُكِّل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون".


• وقال الشاطبي: "فقد ثبت أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حذَّر وبشَّر، وأنذر وندب، وتصرَّف بمقتضى هذه الخوارق من الفراسة الصادقة، والإلْهام الصحيح، والكشْف الواضح، والرؤيا الصالحة كان مَن فعل ذلك ممَّن اختصَّ بشيء من هذه الأمور على طريق من الصواب، وعاملاً بما ليس بخارج عن المشروع، لكن مع مراعاة شرْط ذلك، وهو ألاَّ تَخرِم حُكمًا شرعيًّا، ولا قاعدة دِينية، فإنَّ ما يخرم قاعدة شرعية، أو حكمًا شرعيًّا ليس بحقٍّ في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما من إلْقاء الشيطان، وقد يخالطه ما هو حقٌّ، وقد لا يُخالطه، وجميع ذلك لا يصحُّ اعتباره من جهة معارضته لِمَا هو ثابت مشروع".

• وحتى حديث النفس له فوائدُه؛ منها: معرفة هموم النفس ومداخلها وما يشغلها.

• ومن فوائد المنام الشيطاني: معرفة ما يُريد الشيطان؛ ما يصدُّ عنه من الخير، أو ما يحثُّه عليه من الشرّ، أو ما يخوفه منه؛ لأنَّه لا يصدُّ الشيطان إلاَّ عن ما يصلح حاله، ولا يحثُّ إلا على ما فيه رَداه وتخويفه وإفزاعه من غير مبرِّر.

• وحتى رؤيا الأمور القديمة ذَكرُوا لها فوائدَ؛ منها: التذكير بشُكْر نِعمة لم تُشكر، أو ذنب لم يُحدث فيه توبة، أو مصالح فاتتْه في فائت أيامه، أو مفاسد ضرتْه فيما سبق، وفصَّلوا في ذلك.
 0  0  196
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:31 مساءً الخميس 29 محرم 1439 / 19 أكتوبر 2017.