• ×

12:56 مساءً , الإثنين 18 رجب 1440 / 25 مارس 2019


 

.

بحث حول الرؤى نشرته الرئاسة العامة للبحوث العلميه والإفتاء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 لقد وجه صلى الله عليه وسلم أمته لما فيه خيرها من جلب خير أو دفع شر ، ومن الأمور الشرعية التي تدفع البلاء موقف المسلم من الرؤى ، والرؤى تنقسم إلى قسمين : الرؤيا الحسنة والرؤيا السيئة ، وللمسلم في كل منهما موقف يخصه :

( الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 238)

1 - أما ما يخص الرؤيا الحسنة فيستحب للرائي :
أ - أن يحدث بها ، فقد ثبت بالسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به لبيان نعمة الرب على العبد ، فهذا من شكر النعم التي تدخل تحت قوله تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .
بـ - ألا يخبر بها إلا من يحب ؛ قال صلى الله عليه وسلم : فلا يحدث بها إلا من يحب فيكون ذا مودة له فلا يكيد له ولا يحسده ، ويذكر الحافظ ابن حجر بأن تقييد الإخبار بالرؤيا الحسنة لمن يحب لأنه إذا حدث بالرؤيا الحسنة من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب ؛ إما بغضا وإما حسدا ، فقد تقع على تلك الصفة أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا ، فأمر بترك تحديث من لا يحب قال الله تعالى عن يعقوب : إنه قال ليوسف عليهما السلام : قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ يقول ابن كثير : يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا التي
( الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 239)

تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا بحيث يخرون له ساجدين إجلالا واحتراما وإكراما ، فخشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته فيحسدونه على ذلك ، فيبغون له الغوائل حسدا منهم له ؛ ولهذا قال له : لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ، أي يحتالوا لك حيلة يردونك فيها ) ؛ لأن كل صاحب فضل ونعمة محسود ، فإذا عرف عدوه عن هذه الرؤيا الحسنة حسده ( فعمل الحيلة على إفسادها وربما يكون هذا سببا في زوال النعمة ، والأولى والأفضل ألا يحدث بها إلا عالما أو ناصحا ، فالعالم يدله على تفسيرها ويؤولها له على الخير مهما كانت ، والناصح يرشده إلى ما ينبغي ، ويعينه عليه
وسبب النهي عن التحدث بها هو الخوف من البغي على صاحب الرؤيا قبل أن توجد ، فإذا وجدت فيتحدث بها من باب شكر النعم ؛ يقول ابن كثير : ( ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر ، كما ورد في حديث : استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ؛ فإن كل ذي نعمة محسود

( الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 240)

جـ - لا يخبر بها إلا العالم بتأويلها ؛ لأن الرؤيا تقع على حسب ما يعبرها المعبر ، فلا يسأل إلا من اتصف بصفات منها العلم والنصح والإحسان ، قال صلى الله عليه وسلم : إن الرؤيا تقع على ما تعبر ، ومثل ذلك رجل رفع رجله ، فهو ينتظر متى يضعها ، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا عالما أو ناصحا فالرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت قال : وأحسبه قال : ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي
وفي رواية : ولا يحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا ؛ لأن العالم يؤول بها له على الخير مهما أمكنه ذلك ، وأما الناصح فإنه يرشد إلى ما ينفعه ، ويعينه عليه ، وأما اللبيب وهو العارف بتأويلها فإنه يعلمه بما يؤول عليه في ذلك ، أو يسكت ، وأما الحبيب فإنه إن عرف خيرا قاله ، وإن جهل أو شك سكت لأنه يعلم أنها إذ عبرت وقعت على الرائي يعني يلحقه حكمها ،
( الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 241)

قال في النهاية الرؤيا على رجل طائر ، ما لم تعبر أي لا يستقر تأويلها حتى تعبر ، يريد أنها سريعة السقوط إذا عبرت ، كما أن الطير لا يستقر في أكثر أحواله ، فكيف ما يكون على رجله ؟ ومنه الحديث : الرؤيا لأول عابر وهي على رجل طائر .. أراد على رجل قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر والرؤيا لأول عابر يعبرها أي أنها إذا احتملت تأويلين أو أكثر فعبرها من يعرف عبارتها وقعت على ما أولها وانتفى عنها غيره من التأويل ، وقال السيوطي : والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول ، فكأنها كانت على رجل طائر ، فسقطت ووقعت حيث عبرت ، وأحسبه أي النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أي لا تعرض رؤياك إلا على واد ) بتشديد الدال أي محب لأنه لا يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب ، أو ذي رأي ، أي : عاقل أو عالم ، قال الزجاج : معناه ذو علم بعبارة الرؤيا ، فإنه يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منه وقال الألباني : ( والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر ، ولذلك أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نقصها إلا على ناصح أو عالم ؛ لأن المفروض فيهما أن يختارا أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك ، لكن مما لا ريب فيه أن ذلك
( الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 242)

مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه وليس خطأ محضا ، وإلا فلا تأثير له حينئذ ، والله أعلم .
وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام البخاري في كتاب التعبير من صحيحه بقوله : باب من يروي الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب ثم ساق حديث ( الرجل الذي رأى في المنام ظلة وعبرها أبو بكر الصديق ) ، ثم قال : فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، أصبت أم أخطأت ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : أصبت بعضا وأخطأت بعضا
د - يستبشر بها مع كتمانها إلا على من يحب ، قال صلى الله عليه وسلم : إذا رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب
هـ - يحمد الله تعالى عليها : قال صلى الله عليه وسلم : إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله ، فليحمد الله عليها وليحدث بها لأن الرؤى الحسنة والصالحة نعمة وفضل من الله .
2 - فيما يخص الرؤيا المكروهة :
قد يرى المسلم ما يزعجه في منامه وينغص عليه حياته ، فحتى لا تقع الرؤيا السيئة التي رآها عليه التمسك بآداب الرؤيا التي جاءت بالسنة ، فقد أخبر الرسول أنها لا تضره ، فقد كان أبو سلمة يرى الرؤيا فيصيبه الهلع منها
( الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 243)

حتى لقي أبا قتادة فذكر ذلك له ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا ، وليتعوذ بالله من شرها ؛ فإنها لن تضره وفي رواية ( قال : إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل ، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها وفي رواية أن أبا سلمة قال : ( إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني ، قال : فلقيت أبا قتادة ، فقال : وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الرؤيا الصالحة من الله ، فإذا رأى أحدكم ما يحب ، فلا يحدث بها إلا من يحب ، وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا ، وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها ، ولا يحدث به أحدا فإنها لن تضره وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كانت امرأة من أهل المدينة له زوج يتاجر ( ويسافر ) فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها ، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول : إن زوجي خرج فتركني حاملا ، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلاما أعور ، فقال
( الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 244)

رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير ، يرجع زوجك عليك إن شاء الله تعالى صالحا ، وتلدين غلاما برا ) ، فكانت تراها مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ذلك لها فيرجع زوجها وتلد غلاما ، فجاءت يوما كما كانت تأتيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائب ، وقد رأت تلك الرؤيا ، فقلت لها : عم تسألين رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أمة الله ؟ فقالت : ( رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله عنها فيقول خيرا ، فيكون كما قال ، فقلت : فأخبريني ما هي ؟ قالت : حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرضها عليه كما كنت أعرض ، والله ما تركتها حتى أخبرتني ، فقلت : والله لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلاما فاجرا ، فقعدت تبكي ، فقال : ما لها يا عائشة ؟ فأخبرته الخبر وما تأولت لها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عائشة إذا عبرتم المسلم الرؤيا فاعبروها على الخير ؛ فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها ) فمات والله زوجها ، ولا أراها إلا ولدت غلاما فاجرا
 0  0  299
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:56 مساءً الإثنين 18 رجب 1440 / 25 مارس 2019.