• ×

05:38 مساءً , الثلاثاء 22 شوال 1440 / 25 يونيو 2019


 

.

أحمد عز الدين البيانوني يرحمه الله ومقالته حول الرؤى

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 هذه دراسة قيمة مهمة كتبها الشيخ العالم الفقيد أحمد عز الدين البيانوني يرحمه الله،

في الحديث الشريف: 'إذا اقترب الزمان ـ أي قرب قيام الساعة ـ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا'.
ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة.





والرؤيا ثلاثة : فالرؤيا الصالحة بشرى من الله.


ورؤيا تحزين من الشيطان.


ورؤيا ممن يحدث المرء نفسه.


فإن رأى ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس.


قال أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث: وأحب القيد، وأكره الغل.


والقيد: ربط الرجلين، فيعبر بثبات في الدين ورسوخ فيه.


والغلُ: الربط في العنق، فيعبر بتحمل دين أو مظالم، أو حكم عليه.


فالقيد في النوم حسن، والغل مكروه.


وفي الحديث الشريف: 'الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه، فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله منه، فلن يضره'.


الحُلم: بضم اللام وسكونها.


وفي الحديث الشريف: 'إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله وليتحدث بها.


وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره'


أي: إذا رأى رؤيا يحبها لحسن ظاهرها: كأن رأى أنه يصلي أو يعبد الله.


أو لحسن تأويلها: كنكاح بعض المحارم، المعبر عنه بالصلة أو الحج؛ لأنهم قالوا: وطء الحُرَم وطء الحَرَم.


وكالموت لبعض الناس، المؤول بالانقطاع إلى الله..


فإنه يحمد الله على هذا، ويقصها على عالم أو حبيب.





وفي حديث آخر: أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب، فتدحرج، فاشتددت على أثره.


قال:'لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك'.


وقال جابر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يخطب، فقال: 'لا يتحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه'.


قال بعض العلماء: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم، علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحي، أو بدلالة من المنام دلته على ذلك، أو على أنه من المكروه، الذي هو من تحزين الشيطان.


وأما أهل التعبير، فيتكلمون في كتبهم عن قطع الرأس، ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النعم، أو مفارقة من فوقه، ويزول سلطانه، ويتغير حاله في جميع أموره.


إلا أن يكون مريضًا، فيدل على شفائه.


أو مديونًا. على قضاء دينه.


أو من لم يحج فعلى أنه يحج.


أو مغمومًا، فعلى فرحه.


أو خائفًا، فعلى أمنه.


والله تعالى أعلم.


فالرؤيا ثلاثة أقسام:


1ـ أضغاث أحلام: كالتي في الحديث السابق.


وكما يكون على فم النائم وأنفه ـ مثلاً ـ طرف اللحاف، فيرى أنه يسبح في ماء عميق، وقد أشرف على الغرق، فينزعج ويتحرك، ويذهب عنه الذي يجد.


وكالذي تنحدر يده في نومه عن جنبه، فيرى كأنه سقط من شاهق.


وأمثال هذا كثير، يعرفه كل إنسان من نفسه.





2ـ وأحاديث نفس:


كمن يهتم في يقظته بأمر، فيراه في منامه: كمن يتعلم قيادة السيارات ـ مثلاً ـ ولم يُجدها بعد، ويرى نفسه في المنام أنه يقود سيارة ببراعة.


ومن يتمرن على السباحة، ولا يجيدها بعد، ويرى نفسه في المنام أنه يسبح في أنهار عظيمة، وبحار محيطة، سباحة ناجحة بارعة. أو كمن يطمع في غنى، ويهتم له، فيرى في منامه أموالاً كثيرة بين يديه يقلبها.


وأمثال هذا كثير أيضًا، يعرفه كل إنسان من نفسه فيما يهتم به ويحدث به نفسه.


وهذان القسمان أكثر المرائي وقوعًا.





3ـ والرؤى الصادقة:


وهي التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: 'إذا اقترب الزمان ـ أي: إذا قارب القيامة ـ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا'.


قال بعض العلماء: إن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم، وموت العلماء والصالحين، ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعله الله تعالى جابرًا وعوضًا ومنبهًا لهم ومثبتًا لهم على تقوى الله تعالى، وسلوك سبيل الاستقامة.





والرؤى الصادقة قسمان:


ـ قسم لا يحتاج إلى تأويل:


كرؤيا العبد ربه تبارك وتعالى.أو رؤياه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أحد الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، أو رؤيا الصحابة والتابعين، والأولياء الصالحين..


فهذه بشائر لا تحتاج إلى تأويل، ولاسيما إذا كان معها نصائح ومواعظ، أو دلالة على أمرٍ ما:


عن عطاءٍ الخراساني رحمه الله تعالى أنه قال: حدثتني ابنة ثابت بن قيس رضي الله عنهما قالت: لما كان يوم اليمامة خرج أبي ثابت، مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب، فلما التقوا انكشفوا ـ أي: انهزموا تعني المسلمين ـ.


فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، فثبتا، وقاتلا حتى قتلا. وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها. فبينما رجل من المسلمين نائم، أتاه ثابت في منامه، فقال له: أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: 'هذا حلم' فتضيعه: إني لما قتلت أمس، مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن في طوله.


أي: يعدو إقبالاً وإدبارًا، وهو مربوط بحبل طويل، يدور فيه ويرعى. وقد كَفأ ـ أي: قلب الرجل ـ على الدرع برمة ـ أي: قدر ـ وفوق البرمة رحل ـ وهو ما يجعل على ظهر البعير كالسرج ـ.


فأت خالدًا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها.


وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني أبا بكر ـ فقل له: إن علي من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان.


فأتى الرجل خالدًا فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتي بها.


وحدث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته.


قال، ولا يعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت.


وحدثني طالب علم صالح، وكانت لحيته قصيرة دون القدر المسنون، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فشجعه على إطلاقها كاملة.


وأوصاه بالاستيقاظ لصلاة الصبح في وقتها، وكانت تفوته أحيانًا، فيصليها بعد طلوع الشمس.


وأوصاه أن يترك صحبة فلان وفلان، ممن كان يصحبهم، وليس في صحبتهم صلاح.


وحدثني من أثق به أن امرأة ماتت في سن الصبا، وكانت في حياتها متبرجة، فرأتها في المنام صديقة لها، ورأت في ساقيها حروقًا، فسألتها عن ذلك.


فقالت: هذه الحروق بسبب الجوارب الشفافة التي كنت ألبسها في حياتي.


فاستيقظت المرأة مذعورة من هذه الرؤيا، وذهبت إلى أهل صديقتها المتوفاة، فقصت عليهم الرؤيا.


فقالوا: لقد صدقت والله، وقاموا إلى خزانة ملابسها، فأخرجوا لها الجوارب الشفافة التي ذكرتها.


وحدثني رجل صالح، فقال: كان لي امرأة عم تخيط ثيابًا لتاجر يبيع ثيابًا جاهزة، ولما توفيت امرأة عمي رأيتها في المنام في المكان حار مظلم.


فسألتها عن سبب وجودها في هذا المكان.


فقالت: أنا في هذه الحالة بسبب قطع من القماش، كنت آخذها من أقمشة التاجر.


فلما أصبح رأى التاجر المذكور في الحي جاء لعلاقة له مع خياطة أخرى، فسأله عن القطع التي تبقى عند الخياطات، هل يسامحن بها أم لا؟


قال التاجر: إن كانت القطع صغيرة فإني أسامحهن، وإلا فلا.


قال: فإن امرأة عمي كانت تخيط لك، أفلا تسامحها؟


قال: قد سامحتها.


قال: فرأيتها بعد ذلك في المنام، وقد أخرجت من ذلك المكان المظلم.





ـ والقسم الثاني من الرؤى الصادقة، يحتاج إلى تأويل:


ولهذا يحتاج المعبر إلى مهارة، للتفريق بين الأضغاث وغيرها، ويفرق بين طبقات الناس، إذ إن فيهم من لا تصح له رؤيا، ومن تصح له، ومنهم من يرشح لأن يلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح لذلك.


قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: الرؤيا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب.


فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق.


ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه، فكان ما يراه أضغاث أحلام.


ولهذا أمر بالطهارة عند النوم لينام طاهرًا، وهي إشارة لطهارة الباطن أيضًا. فهي الأصل، وطهارة الظاهر كالتتمة.


وقال بعضهم: لكل علم أصول لا تتغير، وأقيسه مطردة لا تضطرب، إلا تعبير الرؤيا، فإنها تختلف باختلاف أحوال الناس وهيئاتهم وصناعتهم ومراتبهم ومقاصدهم ومللهم ونحلهم وعاداتهم ..


فينبغي للمعبر أن يكون مطلعًا على جميع العلوم، عارفًا بالأديان والملل والنحل والمراسم والعادات بين الأمم، عارفًا بالأمثال والنوادر، ومأخذ اشتقاق الألفاظ، فطنًا ذكيًا، حسن الاستنباط، خبيرًا بعلم الفراسة وكيفية الاستدلال من الهيئات الخَلْقية على الصفات..


فمن أمثلة التعبير بحسب الاشتقاق: أن رجلاً رأى أنه يأكل سفرجلاً.


فقال له المعبر: تسافر سفرًا جليلاً، لأن كلمة سفرجل مركبة من 'سفر جل'.


وقد رأى والدي رحمه الله تعالى رجلاً أعطاه سفرجلة وتفاحة.


فأولها بحج وزيارة، وكان الأمر كذلك.


ورأى أحدهم أن رجلاً أعطاه غصن سوسن.


فقال له المعبر: يصيبك من المعطي سوء سنة.


لأن السوء يدل على الشدة، والسنة اسم للعام التام.


لكن التعبير بحسب الاشتقاق للألفاظ العربية، إنما هو للعرب أما غيرهم، فينظر إلى اللفظ في لغاتهم.
 0  0  267
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:38 مساءً الثلاثاء 22 شوال 1440 / 25 يونيو 2019.