• ×

01:14 مساءً , الإثنين 18 رجب 1440 / 25 مارس 2019


 

.

أحلام الخليفة .. كتاب عن الأحلام في ثقافة المسلمين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 صدر حديثا عن دار الجمل بألمانيا كتاب بعنوان أحلام الخليفة ، وهو واحد من أهم الدراسات الممتعة للمستشرقة الألمانية أنّا ماري شيمل عن الأحلام والمنامات في ثقافة المسلمين. وشيمل التي توفيت قبل سنتين، تعّد من بقايا الجيل الذي تبّحر في دراسة روحانيات الشرق والعالم الإسلامي، ولعل مؤلفاتها حول التصوف تشخص مادة للتعالق بين الباحث وموضوعه، فهي قد مضت في هذا الدرب مأخوذة بفيض خياله وعمق فلسفته وتشعب رؤاه وقوة تأثيرها. نقل كتابها أحلام الخليفة إلى العربية أربعة مترجمين : حسام الدين بدر،محي الدين جمال بدر،حارس فهمي شومان،محمد اسماعيل السيد.


ماذا يعني الحلم أو الرؤيا عند المسلمين؟ تقول شيمل إن مفسري الأحلام يرون تشابها بين النوم والموت،فالنوم هو موت قصير تذهب فيه الروح إلى عوالم أخرى وتعود عند اليقظة. ولم يبتعد الفلاسفة المسلمون عن هذا التفسير، فالكندي يذكر أن الإنسان الذي يعدّ حاملا للنشاط الحلمي لديه مَلكَة توطين الخيال،إذ تقع بين الحكمة والإدراك. والفارابي يرى أن الحلم الذي يتنبأ بالمستقبل يحتاج قدرات نفسية عالية لايدركها إلا المتبحرون بالعلم.


المنام أو الرؤيا جزء أساسي من ثقافة المسلمين،كما تقول الباحثة، فالمنام يدخل في كل الأدبيات الروحية ويتمثل عبره الناس أفعالهم في الماضي والحاضر وحتى المستقبل. وتعبير الأحلام أو تفسيرها،يختص بها الصالحون والأبرار ومن له مكانة عند ربه،ومعرفة وقوة روحية وذهنا ومخيلة متفوقة. ولعل ابن سيرين [توفي 728م] أهم شخصية في التراث الإسلامي عرفت بالخبرة والبراعة في التعبير، والى اليوم يتناقل الناس تفسيراته وتقتبس منها الكتابات المتأخرة. وفي عهد المأمون أي بعد موت ابن سيرين بفترة طويلة، كان القوم يتحدثون عن إسهامات له في تفسير أحلام الخليفة، أي أن الأسطورة ألغت أزمنة الوجود الفعلي لصاحبها. وتتضح العلاقة بين ابن سيرين والمأمون في الزعم القائل بأن الخليفة رأى في المنام أرسطو منبها إياه على أهمية التراث اليوناني، فاستعان بتفسير ابن سيرين لرؤياه،فدله إلى أن الفلسفة اليونانية سيعاد إحياؤها، وعلى هذا الأساس، ترجم على عهده ليس فقط كتب المعلم الأول،بل أهم كتاب في تفسير الأحلام [تعبير الرؤيا] لأطميدورس.


المؤلفة أنا ماري شيمل، تدخل مادتها لا كدارسة تعاين المنام أو الرؤيا على نحو علمي حيادي، بل يمتزج يقينها بالحلم بيقين الرواة والمفسرين، وهذا لايمنع قدرتها على تصنيف وتأويل الأحلام وفق المناهج التاريخية، ولكنها لاتقيم كبير وزن لفكرة الحلم بأبعادها الحديثة،ومنها أحلام الأساطير التي تحّدث عنها فرويد.


قصص المنامات التي وردت في كتب التراث العربي،يجري تبويبها في هذا الكتاب وفق خطة حديثة،فالمؤلفة تبحث في البداية عن علاقة الدين كنصوص بالرؤى،ثم تحاول تعريف المنام ومقاربة مفاهيم كثيرة في منطوياته، منها الرؤى الصالحة ومناهج تفسير الرؤيا والأحلام الصوفية، وغرضية الحلم. ولكن تبويبها هذا لايجنب مادتها التشظي، حيث تحاذي الأسلوب العربي التراثي في وضع المصنفات،فيتحول الكتاب إلى كشكول جامع لكل ما كُتب في هذا الباب، وهو لزحام قصص الأحلام التي ترد فيه، من أكثر الكتب متعة وتشويقا.


تضع المؤلفة الحكايات وأخبار الرواة والعارفين بالتفسيرات على نحو يتيح للقارئ مجالا للمقارنة والاستنتاج، وهي شديدة الانتباه إلى تداخل القصص الشعبي والغرضي بالأحلام الدينية.ومع كون شيمل من المعتقدات بقدرة الحلم على التبليغ ومعرفة حوادث المستقبل، غير أن كتابها لاينطوي على أيديولوجيا إيمانية تنفر قارئها المخالف لتصورها. المجهول والمعلوم،العلم والخرافة يتجاوران في نص هذا الكتاب،وهناك استئنافات كثيرة تعود إلى ثقافة المؤلفة الأولى،حين تقول بأن الحلم يندرج ضمن مراكز الإدراك الحسية، التي تختلف عن الإدراك من خلال الإحساس الخارجي،الذي يتسم جزئيا بسمة التجرد،كما أن الرغبات والهموم وأحوال وظروف الحالم البدنية تلعب دورا حاسما في هيكلة جزء من أحلامه.


للرؤيا الصادقة عند المسلمين،حسب النابلسي، مَلاك موكّل بها،وقد يأتي لمن هم بسيئة محذرا، وبذلك يمكن أن يحفظ من المعاصي. والرؤيا كما جاء في القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بشرى، ولعل ذلك اليقين يشمل كل الأديان السماوية. يقول المسيحيون عن الشهيد :حلمه فينا،مثلما قالوا عن المسيح، فأحلام المسيح تحل بقلوب مريديه،مثلما تحل أحلام المحب في قلب حبيبه.


وتقول أنّا ماري شيمل،لم يعد الحلم بالنسبة لنا نحن الأوربيين،جزءا من واقع الحياة، منذ أن أغلق ديكارت الباب الفاصل بين الليل والنهار. هل يشمل هذا الاعتقاد كل الحضارة الغربية؟، تلك قضية لايمكن الجزم بها، فدرس الفلسفة والفكر والإبداع الغربي لم يكف عن التبحر في العوالم المجهولة للنفس البشرية وسبر مناطقها المجهولة عبر الأحلام والرؤى والتخاطر وقوى الروح التي لاتغلق الباب بين الليل والنهار.
 0  0  523
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:14 مساءً الإثنين 18 رجب 1440 / 25 مارس 2019.