• ×

12:53 مساءً , الإثنين 18 رجب 1440 / 25 مارس 2019


 

.

حقيقة الرؤيا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 ما هي الرؤيا من حيث الحقيقة؟

هذا سؤال عويص، وفيه طرائف بالنسبة لغير المسلمين.



حقيقة الرؤيا عند غير المسلمين


يعجبني في هذا أن الإمام المازري يقول: إن غير الإسلاميين -أي: العلماء من غير المسلمين- لهم في شأن الرؤيا خبط وتخليط كثير وأقوال باطلة، وذلك بسبب أن الرؤيا أمر يتعلق بالروح وبالنفس، والروح لا يعلم حقيقتها إلا الله، قال تعالى: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] وهؤلاء الفلاسفة والمنحرفون من غير الإسلاميين، حاولوا أن يتوصلوا إلى حقيقتها فضلوا؛ لأنهم إذا كانوا لا يمكن أن يتوصلوا إلى حقيقة الروح والنفس التي هي أصل الرؤيا، فمن باب الأولى لا يمكن أن يتوصلوا إلى حقيقة الفرع وهو الرؤيا.

على سبيل المثال: هناك رجل ذكره ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل، وسماه: صالح قبة، وهو تلميذ النظام، والنظام من شيوخ المعتزلة يقول: إنه يقول: إن من رأى شيئاً في المنام فما رآه فإنه حق كما هو، وضرب: ابن حزم مثالاً يتناسب مع مجتمعه وبيئته، يقول: لو أن إنساناً نائماً في الأندلس، ورأى أنه في الصين في المنام، فإنه يكون حقيقة في الصين، وأن يكون الله اخترعه في تلك اللحظة في الصين!!

وهذا من الباطل المحال الذي لا يحتاج إلى نقض ولا إلى عرض أيضاً؛ لأنه أمر دون الكذب والباطل ودون المحال أيضاً؛ فلا يحتاج إلى الاشتغال به، وإن كان هناك من قال به مِن سَقَطَةِ الناس وسفهائهم.

وهناك الأطباء -وأعني بالأطباء: الأطباء من الماديين، أما الأطباء من المسلمين فدينهم الإسلام- وقولهم في هذا الباب كقول غيرهم من علماء الإسلام، لكن أعني: الذين ينظرون نظرة طبية بحتة، يرون أن الأشياء التي يرآها الإنسان في المنام تعود إلى الأخلاط الموجودة فيه، فإذا كان يغلب على الإنسان البلغم -مثلاً- فإنه يرى كثيراً أنه يسبح في الماء، وإذا كان الغالب عليه الصفراء؛ فإنه يرى النيران في المنام، وإذا كان غلب عليه الدم؛ فإنه يرى أشياء فيها فرح وسرور ومتعة أثناء نومه، وهكذا بحسب الأخلاط التي تغلب على مزاج الإنسان، ويرون أن جميع ما يراه الإنسان هو من هذا الباب.

وأما الفلاسفة، فإنهم يرون أن الرؤيا هي انعكاس لأمور منقوشة في العالم العلوي، فإذا صادفها الإنسان انعكست على نفسه ورآها.

وهذا كله كلام باطل؛ لأنه ليس عليه دليل، لا من النقل ولا من العقل.

فالنقل عن المعصوم ما جاء بهذا، ولا قاله الله ولا الرسول عليه الصلاة والسلام.

والعقل لا يدل على هذا أيضاً، فهذه أمور فوق مستوى أن يدركها العقل.

إذاً: هو كلام هُراء في هُراء.

وفي العصر الحاضر وُجِِدَت مدرسة يسمونها مدرسة التحليل النفسي، ويقوم على رأسها يهودي مجرم، هو: فرويد، وهذه المدرسة تفسر الرؤيا تفسيراً معيناً، ولها فيها نظرية متكاملة، يقولون: إن الرؤيا أو الأحلام التي يراها الإنسان ليست مجرد خليط جزافي، وإنما هي أولاً: تأثيرات من أمور ماضية، سواءً في الأيام القريبة أو في التاريخ البعيد لتربية الإنسان، وما واجهه من أحداث، فتظهر على الإنسان أثناء الرؤيا، كما يرون أنها تعبير عن أشياء مكبوتة في النفس. فإذا كان الإنسان جائعاً -مثلاً- في زعمهم فإنه يرى في المنام أنه يأكل، أو عطشاناً فإنه يرى في المنام أنه يشرب، وهكذا بالنسبة لأية رغبة مكبوتة، حتى إنهم يقولون: إذا كان يكره -مثلاً- شخصاً قريباً منه من أقربائه، ولا يستطيع أن ينتقم منه، فإنه قد يرى في المنام أنه يقتل حية -مثلاً- تعبيراً عن هذا الإنسان الذي يريد أن ينتقم منه ولا يستطيع.. إلى غير ذلك مما يقولونه.

والغريب أن هؤلاء يرون أن مهمة أو وظيفة الرؤيا حراسة النوم، يقولون: إن الإنسان أثناء النوم قد تعرض لـه أصوات أو أشياء مزعجة تمنعه من الاستمرار في النوم، فأحياناً الرؤيا مهمتها أن تحرس الإنسان أثناء النوم، بـحيث يكون منشغلاً فلا يصحو أو ينـزعج، فيقولون: لو أن إنساناً ينام وهو متعب وبحاجة إلى النوم، ويأتي إنسانٌ فيضرب الجرس ويدق عليه الباب، فبدلاً من أن يستيقظ من منامه ويقوم ليفتح الباب؛ يرى في المنام أنه يُضْرَبُ الجرسُ ويُدَقُّ البابُ، وأنه قام وفتح وهو في المنام، فيعفيه هذا العمل من مهمة القيام.

وآخر متعب لا يريد أن يذهب إلى الدوام، فيرى في المنام أنه قد توضأ واغتسل ولبس ثيابه وذهب إلى الدوام، وهو في الواقع لا يزال يتقلب في فراشه، هذا تفسيرها.

أذكر لكم أنني سمعتُ -كما قلتُ قبل قليل- أحدهم يتحدث فيقول: إن آخر نظرية في تفسير الأحلام، وآخر صرعة علمية -كما يقولون- أن واحداً يقول: إن الأحلام هذه عبارة عن نفايات المخ، بمعنى: أن المخ أثناء النوم يعيد تنظيم نفسه، فهذه الرؤى التي يراها الإنسان هي نفايات، أي: قمامة المخ يخرجها، فيحصل للإنسان هذه المرائي وهذه الأحلام.

هذه كلها تصورات أقوام قد ضلوا عن سواء السبيل، ما استناروا بنور الكتاب والسنة؛ ولذلك وجدت عندهم هذه التصورات التي هي بالضرورة نتاج العقل البشري، فالعقل البشري في هذه الأمور إذا لم يستنر بنور الكتاب والسنة فستكون هذه نهايته، يأتي بهذه الأقوال والخرافات المضحكة التي ليس عليها أثارة من علم، لا من علم المعقول ولا المنقول، ولو كانت أموراً تُدْرك بالحس أو بالعقل لكان لنا كلام معهم، لكنها أمور ليست حسية ولا عقلية، فلا سبيل إلى معرفة هذه الأمور إلا عن طريق الوحي والشرع.




حقيقة الرؤيا في الإسلام


أما الإسلام فله حكم وبيان في موضوع الرؤيا وتحديدها، وألخص ما يتعلق بهذا الموضوع في أقسام:

أ- القسم الأول: الحُلُم.

والمقصود بالحلم: هو ما يصيب الإنسان أثناء المنام من تزيين وتسويل وتـمثيل الشيطان، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث جماعة من الصحابة في الصحيحين أنه قال: {الرؤيا من الله، والحُلُم من الشيطان}.

ومثاله: أن يرى الإنسانُ نفسَه في موقع حرج جداً، وأن هلاكه لا بد منه بحال من الأحوال، فهذا حُلُمٌ يريد الشيطانُ أن يخيف به الإنسان.

مثال آخر: أن يرى الإنسانُ أن رأسَه مقطوع، وهو يَتَدَهْدَهُ ويَتَدَحْرَجُ أمامه مثلاً، وهذا الحلم وقع لأعرابي، كما في صحيح مسلم، من حديث جابر، {فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! إني رأيتُ أن رأسي قد قُطِع، فهو يَتَدَهْدَهُ أو يَتَدَحْرَجُ أمامي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخبر الناس بتلاعب الشيطان بك في المنام} أي: إن هذه مجرد وساوس وتسويلات وتزيينات من الشيطان، لا ينبغي للإنسان أن يتحدث عنها ولا يخبر الناس بها، بل يعلم أنها من الشيطان، وسيأتي بيان الأدب الواجب في مثل هذا.

وأيضاً من الأحلام التي هي من الشيطان: أن يرى الإنسانُ في منامه شيئاً يخالف الدين، كأن يرى -مثلاً- أن مَلَكَاً أو نبياً يأمره بارتكاب ما حرم الله، فهذا يكون من الشيطان ولا بد، وأعظم من ذلك أن يرى الإنسان أن ربه يأمره في المنام بارتكاب ما حرم أو بترك ما أوجب.

وأذكر في هذا المجال قصة حدثت للإمام عبد القادر الجيلاني -رحمه الله- وهو من أئمة أهل السنة، وإن انتحله الصوفية وتَبَنَّوْه، فقد جاء الشيطان إلى الإمام عبد القادر وهو في منامه وأوقد أمامه ناراً عظيمة في المنام، وزين وسَوَّل لـه هذا، ثم ظهر هو في وسط النار، وهو يقول له: يا عبد القادر، يا عبد القادر، أنا ربك، وقد أحللتُ لك ما حرَّمتُ عليك.

فهذا الرجل الموفق المسدد لم يغتر بل قال: اخسأ يا عدو الله. ثم استيقظ وعلم أن هذا من الشيطان؛ لأنه يعلم أن الله تعالى لا يمكن أن يحلل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حراماً، ولا يحرم حلالاً، فقد خُتِمَ الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبه كَمُل الدين وتـمت النعمة، ولم يعد الوحي يتنـزل، وليس لأحد أن يخرج عن شريعة مـحمد صلى الله عليه وسلم كائناً من كان. ومن ادعى أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو مرتد عن الإسلام كما يدعي بعض شيوخ الطرق الصوفية.

المهم كونه رأى أن هذا الشيطان يدعي الألوهية، والشيطان لا يمنع أن يدعي الألوهية، كما ادعاها فرعون وغيره، ثم يقول لـعبد القادر: إني قد أحللت لك ما حرمت عليك. فعرف أن هذا من لعب الشيطان به في المنام، واستعاذ بالله منه، وقال: اخسأ يا عدو الله. هذا القسم الأول وهو الحُلُم.

ب- القسم الثاني مما يراه الإنسان في المنام: حديث النفس.

فالإنسان إذا حدَّث نفسه بشيء، وأطال التفكير فيه، أو تمناه وتمنى حصوله، أو اعتاد مواجهته ومعالجته في الواقع، فكثيراً ما يراه في المنام، فقد تجد الإنسان يرى في المنام ما يتعلق بعمله وشأنه الذي يشتغل به في الدنيا، أو ما يتمنى من الأمور، من كسب أو جهاد أو تجارة أو غيرها، أو الأشياء التي يفكر فيها، وإذا فكر الإنسان -مثلاً- لمدة ربع ساعة قبل النوم بأمر؛ فإنه -غالباً- يرى شيئاً يتعلق بما حدث به نفسه، وهذا لا يُحْمَد ولا يُذَم، بل هو من الأمور العادية.

جـ- القسم الثالث: ما يكون مِن قِبَل الطبع.

وهذا لا مانع أن يقع لبعض الناس، فإذا تغير مزاج الإنسان -كما أسلفت- فإنه قد يرى شيئاً يتناسب مع تغير مزاجه، بزيادة البلغم أو زيادة الدم أو ما أشبه ذلك، فيرى أحياناً نيراناً أو يرى سروراً، أو يرى نوراً وضوءاً أو ما أشبه ذلك، بحسب تغير مزاجه، وهذا يحدث إذا مرض الإنسان -مثلاً- أو اعتلت صحته، أو أكثر من الأكل، أو كان شديد العطش، فيحدث له مثل هذا.

د- القسم الرابع: الرؤيا التي هي من الله تعالى.

وهذه -لا شك- أشرف الأقسام وأعظمها، وقد ورد فيها عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة} وهذا الحديث عند البخاري، وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا الصادقة من الله والحُلُم من الشيطان} وأيضاً من حديث أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، وإذا رأى رؤيا يكرهها فإنما هي من الشيطان} والحديث متفق عليه.

ومن حديث أبي هريرة -كما أسلفت-: { لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات } وفي صحيح مسلم: أنه قال: { الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له } وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، كشف الستر ثم نظر إلى الناس ورأسه معصوب، ثم قال: {لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى لـه} والحديث رواه البخاري.

فهذه الرؤيا التي يكون فيها خير للإنسان، كأن يرى الإنسان فيها بشارة بخير، أو تنبيهاً على أمر سيقع، فيكون فيها خير، وقد يكون فيها تحذيراً أحياناً.

فمثلاً: قد يرى المؤمن النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق، كما سيأتي، لكن ربما يرى النبي عليه الصلاة السلام في المنام وهو مُزْوَرٌّ عنه، ومعرض عنه، فيكون هذا إشارة إلى أنه حصل من هذا المؤمن نوع من التقصير، فيتنبه إليه ويحرص على أن يستدركه، فيكون في ذلك خيراً له، وإن كانت الرؤيا قد تحزنه لما رأى، لكن يكون فيها خيراً له.

هذا ما أحببت أن أقوله في هذه الليلة.

وفي الأسبوع القادم -إن شاء الله- سوف نستكمل موضوع الرؤيا، ونذكر بعض مرائي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين، وتعبير الرؤيا، وبعض القصص الطريفة في ذلك، والآداب الواجبة للمؤمن إذا رأى رؤيا يحبها أو رأى رؤيا يكرهها، وبعض المتفرقات المتعلقة بموضوع الرؤيا، وبعد صلاة العشاء في الأسبوع القادم -إن شاء الله- نجيب على الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع، والله تبارك وتعالى أعلم.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.


د/ سمان العودة
 0  0  519
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:53 مساءً الإثنين 18 رجب 1440 / 25 مارس 2019.