• ×

02:25 مساءً , الجمعة 12 جمادي الأول 1440 / 18 يناير 2019


 

.

العمل بالرؤيا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 نماذج وصور من العمل بالرؤى عند السلف وغيرهم من أهل العلم>>>



لقد شاع لدى كثيرٍ من الناس ارتباطُ العمل بالرؤى ببعض أهل البدع، ومن أشهرهم الصوفية، فأصبحت مسألة العمل بالرؤى ترتبط ارتباطًا ذهنيًّا بالفِرَق الصوفية، وأصبح من يتكلّم في هذا الأمر عرضةً للاتهام بأنه على طريقة أهل التصوُّف، ولا شكّ أن الصوفية انحرفوا في مسألة الرؤى انحرافًا كبيرًا؛ إذ جعلوها مصدرًا لتشريع عباداتٍ جديدة، وأحكامٍ غير التي بيَّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقد يدّعي بعض رؤوسهم بأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام يأمره بكذا أو ينهاه عن كذا، أو يحثُّه على فعل ذِكرٍ معيّنٍ أو عبادةٍ فيعمل بهذه الرؤيا ويأمر بها مريديه وأتباعه - دون النظر إلى الضوابط التي سبق ذكرها في مسألة العمل بالرؤى -.

ومع ذلك، فإنّ هذا الانحراف - الذي وقع من هذه الفِرَق الصوفية وغيرها - ينبغي ألا يُلغِيَ الصورة المشرقة والصحيحة لما جاء عن سلفنا الصالح وغيرهم من أهل العلم من عملهم بالرؤى وفق الإطار الشرعي، وأنا أذكر هنا بعضًا من هذه النماذج والصور[1]؛ حتى أُلغي الصورة القاتمة التي ارتبطت في أذهاننا بين الصوفية وبين العمل بالرؤى.




- عبد الله بن عمر ورؤيا النار:

روى سالم عن أبيه قال: كان الرجل في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكنتُ غلامًا عزبًا شابًّا فكنت أنام في المسجد، فرأيت كأن ملكين أتياني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويةٌ كطي البئر ولها قرونٌ كقرون البئر، فرأيت فيها ناسًا قد عرفتُهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقيَنا ملكٌ فقال: لن تراع. فذكرتها لحفصة فقصتها حفصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل. قال: فكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل[2].

والعمل بالرؤيا هنا هو عملٌ بما دلّت عليه واقتضتهُ من الترهيب من النار، وبما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما هو من لوازم دلالات هذه الرؤيا.



- الشمس والقمر يقتتلان:

ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب قال: حدثني غيرُ واحدٍ أن قاضيًا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين رأيت رؤيا أفظعتني، قال: ما هي؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين، قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس، قال عمر: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } [الإسراء: 12] قال: فانطلقْ فوالله لا تعمل لي عملاً أبدًا.

وقد ذكر هذه القصة ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس وزاد فيها: فعزله وقُتِل مع معاوية بصفين[3]، فعمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بما فهمه من الرؤيا، وعزل القاضي عن القضاء، وهذا من باب الانتقال من أمرٍ جائزٍ إلى أمرٍ جائزٍ آخر.


- رؤيا أبي بكر الباغندي[4] في منصور بن المعتمر[5]:

يقول الذهبي - رحمه الله -: وحكاية أبي بكر الباغندي الحافظ مشهورة، سمعناها في معجم الغساني، أنه كان ينتخب على شيخٍ فكان يقول له: كم تضجرني؛ أنت أكثر حديثًا مني وأحفظ، فقال : إني قد جئت إلى الحديث، بحسبك أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فلم أسأله الدعاء وإنما قلت: يا رسول الله أيما أثبت في الحديث منصور أو الأعمش؟ فقال: منصور منصور[6].

وهذا فيه العمل بالرؤيا في معرفة أحوال الرواة، وقد تقدّم نظير ذلك في فعل الإمام مسلم في مقدّمة صحيحه، وكذلك الإمام أبو داود في سننه.



- رؤيا الوليد بن مسلم[7] في الأوزاعيّ[8]:

قال الوليد بن مسلم: ما كنت أحرِص على السماع من الأوزاعي حتى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام والأوزاعي إلى جنبه فقلت: يا رسول الله، عمّن أحمل العلم؟ قال: عن هذا، وأشار إلى الأوزاعي. قال الذهبي معلقًا على هذا: كان الأوزاعي كبير الشأن[9].



- رؤيا حمّاد بن سلمة[10]:

قال حمّاد: " ما كان من نيَّتِي أن أُحَدِّث، حتى قال لي أيُّوب السِّخْتياني[11] في النوم: حدِّث "[12].


- رؤيا محمد بن رمح[13] في الإمام مالك:

قال محمد بن رمح: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله، إن مالكًا والليث يختلفان، فبأيِّهما آخذ؟ قال: مالكٌ مالكٌ[14].



- رؤيا معروف الكرخيّ[15] في هُشَيم[16]:

قال يحيى بن أيوب العابد: سمعتُ نصر بن بسّام وغيره من أصحابنا، قالوا: أتينا معروفًا الكرخيّ، فقال: رأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام وهو يقولُ لهُشَيم: جزاك الله عن أمتي خيرًا، فقلتُ لمعروف: أنتَ رأيت؟ قال: نعم، هُشَيمٌ خيرٌ مما نظُن[17].

وذلك لأن هشيمًا كان قد عُرِف بالتدليس، ولربما حصل من جرّاء ذلك نوعٌ من الاحتقار له أو الانتقاص لشأنه؛ فجاءت الرؤيا منبهةً على فضله وليس فيها إلغاءٌ للوصف الذي عُرِف به عند علماء الجرح والتعديل.



- ابن القاسم[18] ورؤيا رأس الخنزير:

عن سُحْنُون قال: لمّا حججنا كنتُ أزامل ابن وهب، وكان أشهب يزامله يتيمُه، وكان ابن القاسم يزامله ابنه موسى، ونزلنا بمسجدٍ ببعض مدائن الحجاز، فنمنا، فانتبه ابن القاسم مذعورًا، فقال لي: يا أبا سعيد، رأيت الساعة كأن رجلاً دخل علينا من باب هذا المسجد، ومعه طبقٌ مغطًى وفيه رأس خنزير. أسأل الله خيرها. فما لبثنا حتى أقبل رجلٌ معه طبقٌ مغطًى بمنديل، وفيه رطبٌ من تمر تلك القرية، فجعله بين يدي ابن القاسم وقال: كل، قال: ما إلى ذلك من سبيل. قال: فأعطه أصحابك، قال: أنا لا آكله، أعطيه غيري؟! فانصرف الرجل، فقال لي ابن القاسم: هذا تأويل الرؤيا.
قال الذهبي مُعلّقًا: وكان يُقال: إن تلك القرية أكثرها وقفٌ غُصبت[19].

والعمل بالرؤيا هنا من باب ترك المباح لرؤيا رآها.


- رؤيا الحسين بن علي الجعفي[20]:

قال حميد بن الربيع: رأى حسين الجعفي كأن القيامة قد قامت وكأن مناديًا ينادي: ليقم العلماء فيدخلوا الجنة، قال: فقاموا وقمت معهم، فقيل لي: اجلس لستَ منهم؛ أنت لا تحدِّث، قال: فلم يزل بعد يحدث بعد أن كان لا يحدث حتى كتبنا عنه أكثر من عشرة آلاف حديث [21].


- رؤيا أبي عثمان المازني[22]:

عن أبي عثمان المازني قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقرأت عليه سورة طه، فقلت: مَكَانًا سِوًى، فقال: اقرأ "سُوى" قراءة يعقوب[23] .[24]

فالعمل بهذه الرؤيا انتقالٌ من جائزٍ إلى جائز؛ لأن كلتا القراءتين جائزتان، وليس فيها إلغاءٌ لقراءةٍ سمعيةٍ ثابتة.



- رؤيا القَعنبِيّ[25]:

يُروَى عن أبي سبرة المديني قال: قلت للقعنبي: حدثْتَ ولم تكن تحدِّث! قال: إني أُريتُ كأن القيامة قد قامت، فصِيحَ بأهل العلم فقاموا وقمتُ معهم، فنودي بي: اجلس. فقلت: إلهي، ألم أكن أطلب؟ قال: بلى، ولكنهم نشروا وأخفيتَه. قال: فحدَّثْت [26].



- رؤيا محمد بن يحيى الرملي[27] في الشافعي وأحمد بن حنبل:

ذكر شيخ الإسلام بإسنادٍ طويلٍ عن محمد بن يحيى الرملي قاضي دمشق، قال: دخلتُ العراق والحجاز وكتبْت، فمن كثرة الاختلاف لم أدر بأيها آخذ، فقلت: اللهم اهدني. فنمت فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أسند ظهره إلى الكعبة وعن يمينه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو يتبسم إليهما. فقلت: يا رسول الله، بم آخذ؟ فأومأ إلى الشافعي وأحمد، وقال: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة[28].



- رؤيا عمر بن عبد العزيز في الحجاج:

عن أبي حازم الخناصري الأسدي قال: قدمت دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة والناس رائحون إلى الجمعة، فقلت: إن أنا صرت إلى الموضع الذي أريد نزوله فاتتني الصلاة، ولكن أبدأ بالصلاة، فصرت إلى باب المسجد، فأنخت بعيري ثم عقلتُه ودخلت المسجد، فإذا أمير المؤمنين على الأعواد يخطب الناس، فلما أن بصر بي عرفني فناداني: يا أبا حازم، إليّ مقبلاً. فلما أن سمع الناس نداء أمير المؤمنين لي أوسعوا لي، فدنوت من المحراب، فلما أن نزل أمير المؤمنين فصلى بالناس، التفت إلي فقال: يا أبا حازم، متى قدِمْتَ بلدنا؟ قلت: الساعة، وبعيري معقولٌ بباب المسجد. فلما أن تكلم عرفتُه فقلت: أنت عمر بن عبد العزيز؟ قال: نعم، قلت له: تالله لقد كنت عندنا بالأمس بالخناصرة أميرًا لعبد الملك بن مروان، فكان وجهك وضيًّا، وثوبك نقيًّا، ومركبك وطيًّا، وطعامك شهيًّا، وحرسك شديدًا، فما الذي غير بك وأنت أمير المؤمنين؟ قال لي: يا أبا حازم، أناشِدُك الله إلا حدثتني الحديث الذي حدثتني بخناصرة، قلت له: نعم، سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :إن بين أيديكم عقبةً كئودًا لا يجوزها إلا كل ضامرٍ مهزول. قال أبو حازم: فبكى أمير المؤمنين بكاءً عاليًا حتى علا نحيبه، ثم قال: يا أبا حازم، أفتلومني أن أضمر نفسي لتلك العقبة، لعلّي أن أنجو منها، وما أظنني منها بِناج؟ قال أبو حازم: فأغمي على أمير المؤمنين، فبكى بكاءً عاليًا، حتى علا نحيبه، ثم ضحك ضحكًا عاليًا حتى بدت نواجذه، وأكثر الناسُ فيه القول، فقلت: اسكتوا وكفّوا، فإن أمير المؤمنين لقي أمرًا عظيمًا، قال أبو حازم: ثم أفاق من غشيته، فبدرت الناس إلى كلامه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، لقد رأينا منك عجبًا؟ قال: ورأيتم ما كنت فيه؟ قلت: نعم، قال: إني بينما أنا أحدثكم إذ أغمي علي، فرأيت كأن القيامة قد قامت، وحشر الله الخلائق، وكانوا عشرين ومئة صف، أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ثمانون صفًّا، وسائر الأمم من الموحدين أربعون صفًّا، إذ وُضع الكرسي، ونُصب الميزان، ونُشرت الدواوين، ثم نادى المنادي: أين عبد الله بن أبي قحافة؟ فإذا شيخٌ طوال يخضب بالحناء والكتم، فأخذت الملائكة بضبعيه فأوقفوه أمام الله، فحوسب حسابًا يسيرًا، ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة ، ثم نادى المنادي: أين عمر بن الخطاب؟ فإذا شيخٌ طوال يخضب بالحناء، فجثى، فأخذت الملائكة بضبعيه فأوقفوه أمام الله، فحوسب حسابًا يسيرًا، ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة، ثم نادى مناد: أين عثمان بن عفان؟ فإذا بشيخٍ طوال يصفر لحيته ، فأخذت الملائكة بضبعيه فأوقفوه أمام الله ، فحوسب حسابًا يسيرًا ، ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة، ثم نادى مناد : أين علي بن أبي طالب ؟ فإذا بشيخ طوال أبيض الرأس واللحية ، عظيم البطن ، دقيق الساقين ، فأخذت الملائكة بضبعيه ، فأوقفوه أمام الله، فحوسب حسابًا يسيرًا ، ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة ، فلما رأيت الأمر قد قرب مني اشتغلت بنفسي ، فلا أدري ما فعل الله بمن كان بعد علي ، إذ نادى المنادي : أين عمر بن عبد العزيز ؟ فقمت فوقعت على وجهي ، ثم قمت فوقعت على وجهي، ثم قمت فوقعت على وجهي ، فأتاني ملكان فأخذا بضبعي ، فأوقفاني أمام الله - تعالى- ، فسألني عن النقير والقطمير والفتيل ، وعن كل قضية قضيت بها ، حتى ظننت أني لست بناج ، ثم إن ربي تفضل علي وتداركني منه برحمة ، وأمر بي ذات اليمين إلى الجنة ، فبينا أنا مار مع الملكين الموكلين بي ، إذ مررت بجيفة ملقاة على رماد، فقلت: ما هذه الجيفة؟ قالوا: ادْن منه وسله يخبرك، فدنوت منه فوكزته برجلي، وقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال لي: ما فعل الله بك وبأصحابك؟ قلت: أما أربعةٌ فأمر بهم ذات اليمين إلى الجنة، ثم لا أدري ما فعل الله بمن كان بعد علي، فقال لي: أنت ما فعل الله بك؟ قلت: تفضل علي ربي وتداركني منه برحمة، وقد أمر بي ذات اليمين إلى الجنة، فقال: أنا كما صرت، ثلاثًا، قلت: أنت من أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف، قلت له :حجاج، أرددها عليه ثلاثًا، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: قدمت على رب شديد العقاب، ذي بطشة، منتقم ممن عصاه، قتلني بكل قتلةٍ قتلت بها مثلها، ثم ها أنا ذا موقوفٌ بين يدي ربي أنتظر ما ينتظر الموحدون من ربهم، إما إلى جنةٍ وإما إلى نار.
قال أبو حازم: فأعطيت الله عهدًا بعد رؤيا عمر بن عبد العزيز ألا أوجب لأحدٍ من هذه الأمة نارًا [29].

وظاهر هذا أن أبا حازمٍ كان يرى كفر الحجاج؛ لأنه لا تجب النار لأحدٍ إلا الكافر، فلمّا سمع هذه الرؤيا تراجع عن موقفه وقال مقالته هذه.



- الشاطبي ورؤيا في كتابه الموافقات:

ذكر الشاطبي - رحمه الله تعالى - سبب تسمية كتابه الموافقات بهذا الاسم فقال: " ولأجل ما أودع فيه من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفية، سميته بـ [عنوان التعريف بأسرار التكليف]، ثم انتقلت عن هذه السيماء لسندٍ غريبٍ يقضي العجب منه الفطن الأريب، وحاصله أني لقيت يومًا بعضَ الشيوخ الذين أحللتهم مني محل الإفادة، وجعلت مجالسهم العلمية محطًّا للرحل ومناخًا للوفادة، وقد شرعت في ترتيب الكتاب وتصنيفه، ونابذت الشواغل دون تهذيبه وتأليفه، فقال لي: رأيتك البارحة في النوم وفي يدك كتابٌ ألفتَه فسألتك عنه، فأخبرتني أنه كتاب [الموافقات]، قال: فكنت أسألك عن معنى هذه التسمية الظريفة، فتخبرني أنك وفّقْتَ به بين مذهبي ابن القاسم وأبي حنيفة. فقلت له لقد أصبتم الغرض بسهمٍ من الرؤيا الصالحة مصيب، وأخذتم من المبشرات النبوية بجزء صالح ونصيب" [30].

ومن هنا نعلم أن تسمية كتابه الموافقات جاءت بناءً على رؤيا رآها أحد الأشياخ الذين كانوا حوله.



- رؤيا أبي زيد المروزي[31] في البخاري:

يقول أبو زيد المروزيّ: كنت نائما بين الركن والمقام، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله، وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل [32].

فهذه الرؤيا جاءت تنبيهًا لهذا الفقيه الشافعي؛ حتى يشتغل بكتاب البخاري، وهو محمد بن إسماعيل المذكور في الرؤيا، وإذا قرأت ترجمة هذا الفقيه علمت أنه أحد الرواة الذين رووا صحيح البخاري، فرحمة الله عليهما.



- رؤيا حمدون البَرْذَعِي في أبي زُرعة[33]:

لما قدم حمدون البرذعي على أبي زرعة لكتابة الحديث دخل فرأى في داره أواني وفرشًا كثيرة، وكان ذلك لأخيه، قال: فهم أن يرجع ولا يكتب، فلما كان من الليل رأى كأنه على شط بركة، ورأى ظل شخصٍ في الماء فقال: أنت الذي زهدت في أبي زرعة؟ أما علمت أن أحمد بن حنبل كان من الأبدال، فلما مات أبدل الله مكانه أبا زرعة[34].

الإنسان قد يسيء الظن بشخصٍ - بحسب ما ظهر له من الأمور المحيطة به - كما في هذه القصة، فتأتي الرؤيا منبهةً له على فضل وقدر هذا الشخص، ومن ثمّ يكون العمل بهذه الرؤيا المنبِّهة سببًا صالحًا لتحصيل بعض ما عند هذا الشخص من خيرٍ وعلمٍ وفضل.



- رؤيا ابن الحجاج المروزيّ [35] في الشافعي - رحمهما الله -:

روي عن ابن الحجاج المروزيّ أنه قال: لم يكن لي حسن رأيٍ في الشافعي، فبينما أنا قاعدٌ في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أغفيتُ فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله، أكتب رأي الشافعي؟ فطأطأ رأسه شبه الغضبان وقال: تقول رأي؟ ليس هو بالرأي؛ هو ردٌّ على من خالف سنتي. فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، فكتبت كتب الشافعي[36].

وهكذا، فأنت ترى أن هذا العالم أخذ بما دلّت عليه الرؤيا من توجيهٍ وتنبيهٍ على فضل علم الشافعي - رحمه الله -، وكانت الرؤيا سببًا في اشتغاله بمؤلَّفات الشافعي وكتابتها، وكلُّ رؤيا من هذا القبيل، فإنها تتعلّق بذلك العصر، والظروف المحيطة بالرائي، ولا يُقال إنها على ظاهرها وأن التوجيه فيها لكل شخصٍ، وفي كُلِّ عصرٍ ومِصرٍ؛ فإننا لو قلنا بهذا لحصل من ذلك تعارُضٌ بين مدلولات الرُّؤى كما في الرُّؤيا السابقة التي فيها إرشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - للفقيه الشافعي أبي زيد المروزيّ للاشتغال بصحيح البخاري، وعدم الاقتصار على الاشتغال بكتب الشافعي، فإنّ الظروف تختلف، وظهور الكتب في مكانٍ دون آخرٍ يختلف، وكذلك ظهور المذاهب الفقهية في مِصر دون مِصرٍ يختلف، ولذا لزم التنبيه؛ حتى لا يُظَنُّ التعارض بين هذه الرّؤى، وحتى لا يُؤخَذ بها على عمومها وإطلاقها، ولأن الإرشاد الذي فيها قد يكون خاصًّا بالرائي دون غيره، والله الموفِّق.



- رؤيا علي بن أبي طاهر[37]:

لما رحل علي بن أبي طاهر إلى الشام وكتب الحديث جعل كتبه في صندوقٍ وقيَّره، وركب البحر، فاضطربت السفينة وماجت، فألقى الصندوق في البحر، ثم سكنت السفينة، فلما خرج منها أقام على الساحل ثلاثًا يدعو الله، ثم سجد في الليلة الثالثة وقال: إن كان طلبي ذلك لوجهك وحب رسولك فأغثني برد ذلك، فرفع رأسه فإذا بالصندوق ملقًى عنده، فقدم وأقام برهة، ثم قصدوه لسماع الحديث، فامتنع منه. قال: فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامي ومعه علي -رضي الله عنه -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا علي، من عامل الله بما عاملك به على شط البحر؟! لا تمتنع من رواية أحاديثي. قال: فقلت: قد تبت إلى الله. فدعا لي وحثني على الرواية[38].

فالمرء قد يتوقّفُ عن عملٍ صالحٍ ظاهرٍ للناس؛ لبعض الأسباب: لظنّه في نفسه عدم الإخلاص، أو خوف الرِّياء، أو لغير ذلك من الأمور التي أدّاهُ إليها اجتهاده، فتأتي الرؤيا منبِّهةً له، تحثُّه على الاستمرار وعدم التَّوقُّف؛ فيرجع عن اجتهاده الذي كان يظنُّه، ويعمل بما دلّت عليه الرؤيا - كما هو ظاهرٌ في هذه القصّة -.



- رؤيا الحسين الجوهري[39] في ابن بطة[40]:

وقال أبو محمد الجوهري: سمعت أخي الحسين يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله، قد اختلفت عليّ المذاهب، فقال :عليك بابن بطة، فأصبحت ولبست ثيابي، ثم أصعدت إلى عُكبرا فدخلت وابن بطة في المسجد، فلما رآني قال لي: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم[41]- .

فالمسلم قد تختلف عليه المذاهب والأقوال، وربما وقع في حيرة، فتأتي الرؤيا لترشده وتدلَّه على أقرب الأقوال والمذاهب والأشخاص إلى الحق؛ فيعملُ بها، وهذا نظيرُ ما تقدّم في رؤيا أبي جمرة الضَّبعِيّ في مسألة التمتع في الحج، وموافقةِ قولِ ابن عبّاس - رضي الله عنه - فيها مع أن القول المعمول به خلافُ ذلك[42].



- رؤيا أبي طالب بن طباطبا في عبد الرحمن بن مَنْده[43]:

وقال السمعاني: سمعت الحسن بن محمد بن الرضا العلوي يقول: سمعت خالي أبا طالب بن طباطبا يقول: كنت أشتم أبا عبد الرحمن بن منده، فسافرت إلى جرباذقان[44] فرأيت أمير المؤمنين عمر في النوم ويده في يد رجلٍ عليه جبةٌ زرقاء، وفي عينه نكتة، فسلمت عليه فلم يرد علي وقال: تشتم هذا؟ فقيل لي في المنام: هذا عمر، وهذا عبد الرحمن بن منده. فانتبهت، ثم رجعت إلى أصبهان وقصدت عبد الرحمن، فلما دخلت عليه صادفته كما رأيته في النوم، فلما سلمت عليه قال: وعليك السلام يا أبا طالب. وقبلها ما رآني ولا رأيته، فقال لي قبل أن أكلمه: شيءٌ حرّمه الله ورسوله يجوز لنا أن نحلّه؟ فقلت: اجعلني في حل. وناشدته الله وقبلت عينيه، فقال: جعلتك في حلٍّ فيما يرجع إلي[45].

قَدْ يَفسُدُ تصوُّر المرء عن شخصيّةٍ من الشَّخصيّات العلميّة بسبب ما يُقَالُ عنها، وبسببِ ما تُرمَى بِهِ من النَّقائِص والتُّهم من قِبَلِ المخالفين، فيوافقهم فيما يُطلِقونه، ويرمون به هذه الشخصيّة، ويقع في السَّبِّ والشَّتمِ والغِيبةِ لها، فتأتي الرؤيا منبِّهةً ومُحذِّرةً له فيعملُ بما دلّت عليهِ، ويعصِمُهُ الله بها من الوقوعِ في عِرْضِ أخيه.



- رؤيا رجل في الحافظ ابن عساكر[46]:
حدثنا ابن القزويني عن والده مدرس النظامية قال: حكى لنا الفراوي [47]قال: قدم علينا ابن عساكر، فقرأ علي في ثلاثة أيام فأكثر، فأضجرني وآليت أن أغلق بابي وأمتنع، جرى هذا الخاطر لي بالليل، فقدم من الغد شخصٌ فقال: أنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليك، رأيته في النوم فقال: امض إلى الفراوي وقل له: إن قدم بلدكم رجلٌ من أهل الشام أسمر يطلب حديثي فلا يأخذنا منه ضجرٌ ولا ملل. قال: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم الحافظ أولاً[48].

فهذا الشيخ المحدِّث تضجّرَ من تلميذِه ابنِ عساكر، وهمّ أن يمتنع عن تدريسه، فيقيِّضُ اللهُ له من يأتيهِ برؤيا تحثُّه على الصَّبرِ والتحمُّل، فيعمل بها ويمتثِل لما دلّت عليه، ولا يقوم من المجلِس حتى يقوم تلميذه - وإن مكث السّاعاتِ الطِّوال -، فأيُّ احترامٍ وتقديرٍ وإجلالٍ وتعظيمٍ للرُّؤيا عند هؤلاء المُحدِّثين والعلماءِ الصّادِقين المُتّصِلين - ليلاً ونهارًا - بسنّة سيِّد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -؟
رحمة الله عليهم إذ عظّموا نبيّهم - صلّى الله عليه وسلم - حيًّا وميِّتًا، وعظّموا ما جاء به يقظةً ومنامًا ممّا لا يُخالِف سُنّتَهُ ولا هدْيه - عليه الصّلاةُ والسّلام -.



- رؤيا نور الدين زنكي[49]:

إنّ مكرَ الأعداء بهذه الأمة ونبيِّها - صلى الله عليه وسلم - لا ينتهي، وإنّ هذا المكرَ قَدْ يصلُ إلى درجةٍ خبيثةٍ من الدّهاء قَدْ لا يفطِن إليه الناس - مهما كان عندهم من قُوّةٍ ومن أجهزةٍ أمنيّةٍ واستخباراتيّةٍ -، ولكنّ الله - سبحانه وتعالى - لا يخفَى عليه هذا المكْرُ، وقد جَعلَ من وسائلِ فضْحِهِ وإبطالِه وإظهارِ عوارِه: الرؤيا في المنام، ونور الدّين زنكيّ - وإن لم يكن من العلماء - قد كان من ملوك العَدْل، ووقعَتْ له هذهِ الرُّؤيا العظيمة التي كان العملُ بها سببًا في حماية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قبره، ولهذه الرُّؤيا قِصّةٌ ذكرها الشيخُ حمود التويجريّ - رحمه الله - في كتابه الرؤيا فقال: "ومن الرؤيا الظاهرة العظيمة ما ذكر عن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن أقسنقر أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام يستنجده على رجلين أرادا إخراجه من قبره. وقد ذكر القصة في هذه الرؤيا نور الدين علي بن أحمد السمهودي في كتابه ]الوفا بأخبار دار المصطفى[ وذكر أن ذلك كان في سنة سبعٍ وخمسين وخمسمائة، وهذا نص ما ذكره:
"خاتمة: فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد الخندق حول الحجرة الشريفة مملوءًا بالرصاص، وذكر السبب في ذلك وما ناسبه:
اعلم أني وقفت على رسالةٍ قد صنفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى، وسماها بعضهم بـ]الانتصارات الإسلامية[ ورأيت عليها بخط تلميذه شيخ مشايخنا زين الدين المراغي ما صورته «نصيحة أولي الألباب، في منع استخدام النصارى كتّاب» لشيخنا العلامة جمال الدين الأسنوي، ولم يسمه فسميته بحضرته فأقرني عليه، انتهى. فرأيته ذكر فيها ما لفظه: وقد دعتهم أنفسهم - يعني النصارى - في سلطنة الملك العادل نور الدين الشهيد إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[50] . وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجد يأتي به بالليل وأوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده فرأى النبي- صلى الله عليه وسلم - في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنجدني أنقذني من هذين، فاستيقظ فزعًا ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضًا مرة ثالثة، فاستيقظ وقال: لم يبق نوم وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي فأرسل خلفه ليلاً وحكى له جميع ما اتفق له فقال له: وما قعودك، اخرج الآن إلى المدينة النبوية واكتم ما رأيت، فتجهز في بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرًا وصحبته الوزير المذكور ومالٌ كثير فقدم المدينة في ستة عشر يومًا فاغتسل خارجها ودخل فصلى بالروضة وزار ثم جلس لا يدري ماذا يصنع. فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحضر معه أموالاً للصدقة فاكتبوا مَنْ عندكم فكتبوا أهل المدينة كلهم وأمر السلطان بحضورهم، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبي - صلى الله عليه وسلم - له فلا يجد تلك الصفة فيعطيه ويأمره بالانصراف إلى أن انقضى الناس، فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئًا من الصدقة، قالوا: لا، فقال: تفكروا وتأملوا، فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئًا وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج، فانشرح صدره وقال: عليّ بهما؛ فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهما بقوله «أنجدني أنقذني من هذين»، فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب جئنا حاجين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصدقاني، فصمما على ذلك، فقال: أين منزلهما فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة فأمسكهما وحضر إلى منزلهما فرأى فيه مالاً كثيرًا وختمتين وكتبًا في الرقائق ولم ير فيه شيئًا غير ذلك فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير وقالوا: إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة وزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيارة البقيع كل يوم بكرة وزيارة قباء كل سبت ولا يردان سائلاً قط بحيث سدَّا خلة أهل المدينة في هذا العام المجدب، فقال السلطان: سبحان الله، ولم يظهر شيئًا مما رآه، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه فرفع حصيرًا في البيت فرأى سردابًا محفورًا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة فارتاعت الناس لذلك، وقال السلطان عند ذلك: أصدقاني حالكما، وضربهما ضربًا شديدًا فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بأموال عظيمة وأمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيلته لهم أنفسهم وتوهموا أن يمكنهم الله منه وهو الوصول إلى الجناب الشريف ويفعلوا به ما زينه لهم إبليس في النقل وما يترتب عليه فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة وفعلا ما تقدم وصارا يحفران ليلاً ولكل منهما محفظة جلد على زي المغاربة، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته ويخرجان لإظهار زيارة البقيع فيلقيانه بين القبور وأقاما على ذلك مدة فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت وحصل رجيف عظيم بحيث خيّل انقلاع تلك الجبال فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة واتفق إمساكهما واعترافهما فلما اعترفا وظهر حالهما على يديه ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره بكى بكاءً شديدًا وأمر بضرب رقابهما فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة وهو مما يلي البقيع، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم وحفر خندقًا عظيمًا إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذيب ذلك الرصاص وملأ به الخندق فصار حول الحجرة الشريفة سورًا رصاصًا إلى الماء، ثم عاد إلى ملكه وأمر بإضعاف النصارى وأمر أن لا يستعمل كافر في عمل من الأعمال وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعها. انتهى."[51].



وتتميمًا للفائدة أذكُرُ قصّةً مشابهةً لهذه القصّةِ ذكرها الشيخ حمود في كتابه المذكور؛ حتّى نعلَمَ كيف يُدَافِعُ اللهُ عن نبيِّهِ - صلّى اللهُ عليه وسلّم - وكيف يقيِّضُ الأسباب لذلك، ولنعلَم كذلك أن هؤلاء الذين يسيؤون إلى خليلِه ورسولِه الكريم - عليه الصلاة والسلام - سواءً بالرُّسومِ أو الأفلامِ القذِرة سوفَ يلقون غِبَّ فعلهم هذا، وسيرون عاقبته الوخيمةَ الأليمة القريبة - في الدنيا قبل الآخر-.

ولو أردتُ أن أذكر ما في هذا من الرؤى لطال المقال، ولكن ما سنراه على أرض الواقع أبلغُ ممّا نسمعُهُ ونقرأه، وهذا نصُّ القصّة كما ساقها - رحمه الله -:" وقد وقع في سنة تسعين وثلاثمئةٍ قصةٌ قريبة الشبه من قصة النصرانيين اللذين أرادا نقل النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة، وقد ذكر هذه القصة ابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" ونقلها عنه ابن الجزري في تاريخه ونقلها تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي في كتابه ]العقد الثمين، في تاريخ البلد الأمين[ عن الجزري، وذكرها أيضًا النجم عمر بن فهد في كتابه ]إتحاف الورى، بأخبار أم القرى[ وذكرها أيضًا السمهودي في كتابه ]وفاء الوفاء، بأخبار دار المصطفى[ وذكر ابن فهد أن هذه القصة وقعت في سنة تسعين وثلاثمائة.

قال الفاسي: ذكر الجزري في تاريخه حكاية اتفقت لأبي الفتوح صاحب مكة بالمدينة، نقلها عن تاريخ ابن النجار البغدادي، وقد رأيت أن أذكرها لغرابتها.

أنبئت عمن أنبأه الحافظ ابن النجار - ثم ساق بالإسناد إلى أبي القاسم عبد الحكيم بن محمد المقري الزاهد قال: أشار بعض الزنادقة على الحاكم العبيدي بنبش قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه وحملهم إلى مصر وقال له: متى تّمَّ هذا الأمر شد الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر فكانت منقبةً يعود جمالها على مصر وساكنيها فدخل ذلك عقل الحاكم فنفذ إلى أبي الفتوح يأمره بذلك فسار أبو الفتوح حتى قدم المدينة وحضر إليه جماعةٌ من أهلها لأنه كان بلغهم ما قدم بسببه وكان حضر معهم قارئٌ يعرف بالركباني فقرأ بين يدي أبي الفتوح: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ}[52] ,قال: فماج الناس وكادوا أن يقتلوا أبا الفتوح ومن معه من الأجناد، وما منعهم إلا أن البلاد كانت للحاكم، فلما رأى أبو الفتوح ما الناس عليه قال لهم: الله أحق أن يُخشى والله لا أتعرض لشيءٍ من ذلك وَدَعِ الحاكم يفعل فيّ ما أراد، ثم استولى عليه ضيق الصدر وتقسيم الفكر كيف أجاب، فما غابت الشمس في بقية ذلك اليوم حتى أرسل الله تعالى من الريح ما كادت الأرض تزلزل منه وتدحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض وهلك خلقٌ كثيرون من الناس وانفرج هَمُّ أبي الفتوح لما أرسل الله تعالى تلك الرياح التي شاع ذكرها في الآفاق لتكون له حجة عند الحاكم من الامتناع من نبش القبور الكريمة. انتهى[53]".






هذا وأسأل الله أن ينفَعَ بما كتبتُ في هذا الموضوع، فإن كان صوابًا فهذا فضلُ اللهِ - وحدَه - يؤتيهِ من يشاء، وإن كانَ خطأً فمن نفسي ومن الشَّيطانِ، وأستغفِرُ الله منه، وسأرجِعُ عنهُ - متى ما تبيّن لي ذلك بعون الله -، وصلّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وبارَكَ وسلّم، والحمد لله ربّ العالمين.



قاله وأملاه: أبو عبد الله، مجالي بن محمد بن حامد البوق.
 0  0  274
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:25 مساءً الجمعة 12 جمادي الأول 1440 / 18 يناير 2019.