• ×

12:19 صباحًا , الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 / 10 ديسمبر 2018


 

.

الإمام عمر بن عبدالعزيز رحمه الله

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أيها الناس، إن تقوى الله خير لباس، وأرقُّ إحساس، تحملك من دار الفناء الى دار البقاء، وتسير بك في هذه الدنيا على هدى ونور ورضا وحبور، أنت بها حسن السجايا بين أهل الدنيا ورفيع القدر بين أهل الأخرى.
أمر الله بها عباده فقال: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 278]
وأحب أهلها فقال: ﴿ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 4]
وكان في معية المتمثلين بها فقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194]
وتقبل من أصحابها فقال: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 27]
ومدح سكنهم فقال: ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [النحل: 30]
وعصم أخوّة القائمين بها من العداوة فقال ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67]
ووالى ذويها فقال ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الجاثية: 19].
وأمن خوفهم يوم القيامة فقال ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]
ووعد المحافظين عليها فقال ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴾ [القمر: 54] ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الحجر: 45] ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ﴾ [الطور: 17] ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴾ [المرسلات: 41] ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ﴾ [الدخان: 51].
نحن اليوم نستعرض نتفاً من أحد أولئك المتقين كيف عاش وماذا قال. ما الهم الذي كان يحمله؟ وما الطريق التي سار عليها؟ كيف تجافى عن الدنيا ولماذا؟ لماذا ارتفع ذكره وخفت ذكر غيره؟ ولماذا أصبح خامس خمسه وبينه وبينهم ما يقرب من ستين سنه؟
عمر ابن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم..
وصفه الحافظ الذهبي، فكان مما قال عنه: "كان ثقةً مأموناً، له فقه وعلم وورع، وروى حديثاً كثيراً، وكان إمام عدلٍ، رحمه الله ورضي عنه". [سير أعلام النبلاء

رآه بعضهم يطوف بالكعبة [قبل الخلافة] وإنّ حُجْزة إزاره لغائبة في ثنايا بطنه من السمن. يقول: "ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسّها لفعلت"[الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز 1/367]
وذات مرة دخل عليه محمد بن كعب القرظي بعد ما تولى الخلافة يقول: "فجعلت أنظر إليه نظراً لا أكاد أصرف بصري عنه، فقال: ما لك يا ابن كعب؟! فقلت: أعجب من تغير جسمك وتبدّل حالك. فقال: فكيف لو رأيتني يا ابن كعب في قبري بعد ثلاث ليال، حين تقع حدقة عيني على وجنتي، ويسيل منخري وفمي صديداً ودوداً، كنت لي أَشد إنكاراً".
ولما دُفِنَ الخليفةُ السابق [سليمان بن عبد الملك] قُرّبت مراكبُ الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال: ما لي ولها، نحّوها عنّي، وقربوا إلي دابتي، فركب دابته، وسار، وسار معه الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال:"أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فلما رأى ذلك: حمد الله وأثنى عليه، وصلىّ على النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلفٌ من كل شيء وليس من تقوى الله عز وجل خلف، واعملوا لأخرتكم، فإنه من عمل لأخرته كفاه الله أمر دنياه، واصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنّه هادم اللذات، ألا وإني لستُ بخير من أحدٍ منكم ولكني أثقلكم حملاً".[سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ,, أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله....
لقد ربّى عمر بن عبد العزيز أهل بيته على التقوى والخوف من الله وقرب الدمعة من خشية الله سبحانه. قرأ عنده رجل قول الله عز وجل عن النار: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ [الفرقان: 12 - 14]، فبكى عمر حتى غلبه البكاء، وعلا نشيجه، فقام من مجلسه، فدخل بيته وتفرّق الناس.
أما ماذا فعل الله بأبناءه بعد موته فإليك هذا الخبر.
روى أهل التاريخ أنه لما حضرته سكرات الموت، جمع أبناءه السبعة أو الثمانية، فلما رآهم بكى واستعبر، ودمعت عيناه، ثم قال لأبنائه: والله ما خلّفت لكم من الدنيا شيئًا إن كنتم صالحين فالله يتولى الصالحين، وإن كنتم فجَرة فلن أُعينكم بمالي على الفجور. تعالوا، فاقتربوا فقبّلَهم واحدًا واحدًا، ودعا لهم، وكأن قلبه يُسَلُّ من بين جوارحه، وخرج أبناؤه.
قال أهل التاريخ: أغفى التاريخ إغفاءة عن أبناء عمر بن عبد العزيز السبعة أو الثمانية، وقد خلّف لكل واحد منهم اثني عشر درهمًا فقط، وأما هشام بن عبد الملك الخليفة، فخلّف لكل ابن من أبنائه مائة ألف دينار، وبعد عشرين سنة، أصبح أبناء عمر بن عبد العزيز، يُسرجون الخيول في سبيل الله، منفقين متصدقين من كثرة أموالهم، وأبناء هشام بن عبد الملك في عهد أبي جعفر المنصور، يقفون في مسجد دار السلام، يقولون: من مال الله يا عباد الله!
أيها المؤمنون لقد ملأ عمر ابن عبدالعزيز سمع الدنيا وبصرها بسيرته العطره ومات وعمره أربعون سنه فقط، ولم يمكث في خلافته سوى ثلاثين شهراً. لكن الأعمار لا تقاس بطول السنين ولكن بعرض الاعمال.
هذا وصلوا وسلموا على صاحب الحوض المورود واللواء المعقود ، صاحب الوجه الأنور ، والجبين الأزهر ، نبيكم وحبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى في علاه : " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً "
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، اللهم من أراد المسلمين بشر وسوء ، فاجعل كيده في نحره ، واجعل تدبيره تدميراً عليه اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك ، وأيده بتأييدك ، واجعل عمله في رضاك ، اللهم هيئ له بطانة صالحة ناصحة ، تدله على الخير وتعينه عليه ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ،
اللهم اغثنا , اللهم اغثنا , اللهم غيثا مغيثا
عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

 0  0  46
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:19 صباحًا الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 / 10 ديسمبر 2018.